عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
52
معارج التفكر ودقائق التدبر
إنّك أيّها الكائن المدرك لوجود ذاتك وصفاتك ، لك ربّ ربّاك ونشّأك حتّى صرت كائنا حيّا مدركا سويّا ، فانظر إلى ذاتك كيف بدأت ، وكيف تنقّلت في أطوار خلقك ، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، وهكذا نشّئت تنشيئا صاعدا حتى بلغت درجة كمالك المقدّرة لك ، فصرت حيّا ذا إدراك وإرادة وقوّة إلى سائر صفاتك النفسيّة والجسديّة . فهل كنت أنت المنشئ لذاتك ، والمختار لصفاتك وخصائصك ؟ وهل كان أبواك هما اللّذان بنيا ذاتك ، ومنحاك صفاتك ؟ إنّهما لم يفعلا شيئا إلّا أن كانا وسيلة ما بين مستقرّ ومستودع ، ثمّ ساعداك على تقديم بعض وسائل حياتك وحمايتك ، لكنّهما لم يبنيا فيك شيئا ، ولم يخلقا فيك خلقا ما . إذن : فآمن بأنّ لك ربّا ، والتمس منه عونا ، وتفكّر في أسمائه وصفاته دواما مع كلّ حقيقة كونيّة تتعلّمها ، ومجّده في نفسك وقولك ، وناده وادعه ، واقرأ ما أنزل إليك ، حتّى تعلم واجبك تجاهه ، وتعمل بما يوصيك به ، وتطيع أوامره ونواهيه . لقد أدركت أيّها الإنسان بملاحظتك لذاتك ، وصفاتك ، وملاحظتك لأمثالك ، أنّك تدرّجت في نشأتك من النّطفة حتّى صرت علقة فمضغة فجنينا يتحرّك بحياة ، فوليدا ، فغلاما ، فشابّا ، فكهلا ، وهكذا . أفلا تبحث عمّن ربّاك ؟ أفلا تتفكّر في صفاته وأسمائه الحسنى ، ولو لم يكن مرئيّا لك بعينيك ؟ ! إنّك تستطيع أن تدرك وجوده ، بجهاز فيك ، هو أجلّ من بصرك وسمعك وسائر حواسّك وأعظم ، هو فكرك ، هو قوّة إدراك المعارف فيك ، هو عقلك الّذي يدرك ما غاب عن حسّك ، ويشاركه وجدانك الداخليّ وضميرك . هذا الّذي ربّاك هو الخالق في الوجود ، هو الذي خلق كلّ ما تشاهد في ذاتك وحول ذاتك ، من كلّ ظاهر وباطن في الكون ، فهو الّذي خلق .