عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

46

معارج التفكر ودقائق التدبر

الَّذِي خَلَقَ : * لم يذكر معمول فعل « خلق » ليعمّ كلّ مخلوق في الوجود ، وإرادة العموم من أغراض حذف المعمول عند البلاغيين ، وهو من الإيجاز البديع المحمود . الخلق : يأتي بمعنى الإبداع من العدم ، والإيجاد على غير مثال سبق . ويأتي بمعنى التقدير للعناصر والأجزاء للشيء الذي يراد إحداثه ، وهذا المعنى يتحقّق في أمور كثيرة ، منها جعل الشيء في صورة ما على وفق المقادير المعدّة له في الخطّة ، كجعل طينة لزجة على شكل طائر ، ولا تكون على شكل طائر ما لم يسبق العمل أو يقترن به تحديد المقادير والأجزاء ، ووضع كلّ شيء في موضعه حتّى تكتمل الصورة المقدّرة . فاللّه عزّ وجلّ هو الخالق ، ولا يعجزه شيء يريد خلقه ، وكلّ ما سواه في الوجود خلقه . والخطاب بقوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) موجّه أوّلا للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، باعتباره أوّل المخاطبين بمطالب اللّه من عباده ، وبتعليماته ووصاياه وبياناته لهم . وهو موجّه من بعده لكلّ العالمين الصالحين للخطاب التكليفيّ ، الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان . ودلّت نصوص أخرى على أنّ الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم مستثنى من التوجيه لتعلّم صنعة القراءة والكتابة ، لتبقى أمّيّته إحدى معجزات نبوّته ، غير أن هذا التوجيه لا يستثنى منه أحد من بعده ، إلّا العاجزون من أمّته عن تعلّم القراءة والكتابة . فمعنى قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) اقرأ أيّها الموضوع في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء ، لاكتساب المعارف والعلوم الدينيّة والدنيوية ، قراءة مقترنة وملتبسة بالتفكّر في صفات ربّك الّذي خلق كلّ