عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
38
معارج التفكر ودقائق التدبر
النّاس في الحياة الدنيا ، بشرط اقترانها بإدراك دلائل الإيمان فيها ، وابتغاء الدّار الآخرة فيما آتى اللّه عزّ وجلّ الإنسان من آثارها وثمراتها النّافعات ، مع الأخذ بنصيبه النافع منها لمتاع الحياة الدّنيا . وهنا يرد سؤال يتطلّب جوابا ، وهو : ما هي الحاجة الشّديدة الّتي تفرض على الإنسان أن يكون ملمّا بعلوم الدّين ، وتجعل من مقتضيات حكمة الرّبّ الخالق ، أن يوجّه للنّاس رسالات منه ، يصطفي لحملها ولتبليغها للنّاس خيرة من عباده ، وهذه الرّسالات تتضمّن تعريفهم بالحقّ والصّراط المستقيم الّذي يحقّق لهم إذا اتّبعوه واهتدوا بهديه سعادة الدّنيا والآخرة ؟ ويأتي الجواب في الدّرس الثّاني من دروس السورة الثلاثة ، مشيرا إلى السّبب الدّاعي إلى إرسال رسل وفي خاتمتهم محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليبلّغوا رسالات ربّهم لعباده ، وهذا السّبب يشتمل على عنصرين : العنصر الأول : أنّ الإنسان في الحياة الدّنيا متى شعر باستغنائه بأسبابه الّتي أتاحها اللّه له طغى ، فغطّى طغيانه على بصيرته ، فكفر بربّه ، وجحد الحقّ ، فظلم وبغى ، وزيّن ظلمه وبغيه بزخرف القول ، والدّعاوى الكاذبة الباطلة ، وسخّر ما لديه من قوى وأنصار ، لتحقيق مطالب نفسه الجائرة الظّالمة الآثمة . العنصر الثاني : أن الإنسان لا يستطيع بنفسه إدراك الحياة الأخرى ، وما فيها من حساب وفصل قضاء وتنفيذ جزاء ، في دار النعيم الجنّة ، أو في دار العذاب النّار ، ولو أدرك بعقله ضرورة تحقّق الجزاء ، لكنّه لا يستطيع تصوّر عناصره وكيف يكون ، فاحتاج إلى رسالة من الرّبّ الخالق تبيّن له الدّار الآخرة وما أعدّ اللّه فيها من جزاء . وهذا الدّرس الثاني يتألّف من ثلاث آيات ، هي قول اللّه عزّ وجلّ فيها :