الشيخ محمد الصادقي
98
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
تسد فراغ إيمانهما « إِنِ ارْتَبْتُمْ » . ثم « فَإِنْ عُثِرَ » والعاثر هو صاحب الحق في الوصية وصياً وموصى إليه ، « عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا » طلبا لتحقيق إثم هو إبطاء عن الثواب ، إبطاءً عن حق الوصية ، ف « شاهدان » « فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما » في هذه الشهادة ، وهما « مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ » الإثم ، فالإثم المستحق ب « آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » هو الفاعل ل « اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ » ثم « الْأَوْلَيانِ » وصف ثان ل « فَآخَرانِ يَقُومانِ » ف « الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ » هنا هم أصحاب الوصية وصياً وموصىً له وورثة ، ف « الْأَوْلَيانِ » هما من هؤلاء ، إن ورثة فهم أحق من الكل ، وان موصىً لهم فأحق من الوصي ، « فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » . « ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » « 1 » . « ذلِكَ » التأكيد الأكيد في أبعاد الشهادة للوصية ، والحياطة البالغة فيها « أَدْنى أَنْ يَأْتُوا » « آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » « بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها » دون إثم أو ظلم ، وحين لا يأتون « أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ » لهم « بَعْدَ أَيْمانِهِمْ » أولاء الآخران الأوليان فيفتضحوا في شهادتهم الآثمة « وَاتَّقُوا اللَّهَ » في كل حقول الشهادة « وَاسْمَعُوا » عظة اللَّه ، وشهادة اللَّه وحق اللَّه واعلموا ان « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » . « 2 »
--> ( 1 ) 5 : 108 ( 2 ) المصدر اخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي عن باذان مولى أم هاني عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الاسلام فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته فمرض فأوصى اليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله ، قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع الينا غيره ، قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم ان عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فسألهم البينة فلم يجدوا فامرهم ان يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فانزل اللَّه هذه الآية فقام عمروا بن العاصي ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء . وفيه عن ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى اليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول اللَّه صلى الله عليه وآله باللَّه ما كتماها ولا اطلعا ثم وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللَّه لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذ الجام وفيه نزلت « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ . . » وفيه أحرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها فلما هاجر النبي صلى الله عليه وآله حولا متجرهما إلى المدينة فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى اليهما فلما مات فتحا متاعه فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه فقالوا هذا الذي قبضنا له ودفع الينا فقالوا لهما هذا كتابه بيده قالوا ما كتمنا له شيئاً فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلت هذه الآية فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ان يستحلفوهما في دبر صلاة العصر باللَّه الذي لا إله إلَّا هو ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا فمكثا ما شاء اللَّه أن يمكثا ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموَّه بذهب فقال أهله هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا فكرهنا أن نكذب على نفوسنا فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلت الآية : « فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً » فأمر النبي صلى الله عليه وآله رجلين من أهل بيت الميت ان يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه ، ثم إن تميم الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وآله وكان يقول : صدق اللَّه ورسوله ، أنا أخذت الإناء . . . أقول : لأن شؤون النزول المنقولة ليست قطعية ، وانها على قطعيتها لا تحدد الآية بنفسها فضلًا عن أن تنسخها ، فلا نصدق مما نقلناه إلَّا الموافق لما استفدناه من هذه الآيات حول الوصية