الشيخ محمد الصادقي

84

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الوصية ، والسماع هنا لا يُحدَّد بنفسه ، إنما هو الذريعة المتعوَّدة للعلم ، إذاً فهو العلم كيفما حصل بأيٍّ من حلقات الوصية حكماً وتنفيذاً ومادة وكيفية ، فلا تبديل في ذلك الحقل لأيٍّ من جنبات الوصية ، اللّهم إلّا من الموصي وهو خارج عمن بدّله . ثم « فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ » تحصر إثم التبديل على من بدّل ، فقد يحاول الوصي تطبيق الوصية كما هي والشاهد يبدلها ، أو الشاهد يشهد لها كما الوصي ثم الوكيل أو الورثة امّن هو ممن له مدخل إلى حقل الوصية ، هو الذي يبدله ، فلا إثم - إذاً - على من سبقه حيث طبَّقه ، ولا على الموصي حين أوصى كما يجب . و « إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ » الوصيةَ والشهادةَ ، وسميع قول من بدلّه « عَلِيمٌ » بما يُخفي أو يعلن ، فتبديل الوصية الصالحة في كل مواقفها إثم مهما اختلفت دركاته حسب مختلف التبديل ، حتى إن أوصى بمالٍ له ليهودي أو نصراني « 1 » ما لم يكن في أصل الوصية محظور .

--> ( 1 ) نور الثقلين 1 : 161 عن الكافي علي بن إبراهيم عن أبيه عن الريان بن شبيب قال : أوصت ماردة لقوم نصارى بوصية فقال أصحابنا اقسم هذا من فقراء المؤمنين من أصحابك فسألت الرضا عليه السلام فقلت : إن أختي أوصت بوصية لقوم نصارى وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا المسلمين فقال : امض الوصية على ما أوصت به قال اللَّه تعالى : « فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ » وفيه عن أبي سعيد عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : سئل عن رجل أوصى بحجة فجعلها وصية في نسمة ؟ فقال : يغرمها وصية ويجعلها في حجة كما أوصى به فإن اللَّه تبارك وتعالى يقول : « فَمَنْ بَدَّلَهُ . . . » وفيه عن حجاج الخشاب عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : سألته عن امرأة أوصت إلي بمال ان يجعل في سبيل اللَّه فقيل لها : أيحج به ؟ فقالت : اجعله في سبيل اللَّه ، فقالوا لها نعطيه آل محمد صلى الله عليه وآله ؟ قالت : اجعله في سبيل اللَّه فقال أبو عبداللَّه عليه السلام اجعله في سبيل اللَّه كما أمرت ، قلت : مرني كيف اجعله ؟ قال : اجعله كما أمرت ان اللَّه تبارك وتعالى يقول « فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ » أرايتك لو أمرتك ان تعطيه يهودياً كنت تعطيه نصرانياً ؟ قال : فمكثت ثلاث سنين ثم دخلت عليه فقلت له مثل الذي قلت له اوّل مرة ، فسكت هنيئة ثم قال : هاتها ، قلت : من اعطيها ؟ قال : عيسى شلقان ، أقول : في سبيل اللَّه في عرف ذلك الزمان - كما هو ظاهر الحديث - تعني الجهاد ، وصحيح محمد بن مسلم قال : سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن رجل أوصى بما له في سبيل اللَّه ؟ فقال : أعطه لمن أوصى به وان كان يهودياً أو نصرانياً إن اللَّه تبارك وتعالى يقول : « فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ . . » . أقول : كل ذلك إذا كانت الوصية لغير المسلم من المعروف تأليفاً لقلوبهم أو مودة إليهم كما قال اللَّه : « لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ - إلى قوله - أَنْ تَبَرُّوهُمْ » والوصية بر ، وهو يعم الموت والحياة . ذلك ! فضلا عمن لا يعرف هذا الأمر موصىً اليه أو موصياً كما رواه المشايخ الثلاثة عن يونس بن يعقوب ان رجلًا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يُعطى في سبيل اللَّه فسئل عنه أبو عبداللَّه عليه السلام كيف يفعل به ؟ فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر فقال : لو أن رجلًا أوصى أني أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ان اللَّه عز وجل يقول : « فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ . . . » فانظر إلى من يخرج إلى هذا الوجه - يعني بعض الثغور - فابعثوا به إليه . ( الوسائل 670 من الوصايا ) أقول : والأحاديث الواردة في المنع عن إشباع كافر محمولة على موارد الحظر ، فان من المؤلفة قلوبهم كفاراً تمال قلوبهم إلى الاسلام ولهم نصيب من الصدقات حسب النص في آيتها !