الشيخ محمد الصادقي
413
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
حاضر العذاب إنما يشملهم « مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ » أن يتوبوا من قبل ، فلا حدَّ - إذاً - عليهم ، ثم المحدود إذا تاب تاب اللّه عليه عن عذاب الآخرة . وأجابة عن سؤال : كيف يسقط الحد هنا بتلك التوبة يندد بالمتسائلين : « أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « 1 » فإنّه « يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » تعذيبه حسب المصلحة الربانية التربوية هنا ، والعقوبة في الأخرى « وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ » كالسارق التائب ، الدافع لما سرق لأهله ، لمكان « وَأَصْلَحَ » تلو « تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ » حيث التوبة في حق الناس لها واجهتان اثنتان . توبة إلى اللّه مما ظلم وهو الاستغفار عما ظلم ، وتوبة إلى المظلوم وهو هنا رد ما سرق منه ، ولابد أن يفتش عن علل السرقة هل هي التقصير من الشعب والدولة عن كفالة المعوزين ؟ فلا حدَّ - إذاً - في هذه السرقة ! أم إنه يسرق وهو مكفي الحاجة الضرورية من سعيه حسب المقدرة أو من بيت المال ، فهي - إذاً - سرقة غير معذورة ، فإنها تطاول على أموال الآخرين دون حق ، وبطالة عن الحصول على المال الحلال ، وخلق جو اللأم بين المسلمين الآمنين ، فأما حين توجد شبهة في سبب السرقة ، فعلها لضرورة أم حق أماهيه فلاحد إذ تدرءُ الحدود بالشبهات . ثم ولا حدَّ على المؤتمن على مال إذا خان فيه ، ولا المأذون بدخول مكان إذا أخذ منه مالًا غير مُحَرز ، ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين ، ولا على المال خارج الحرز أياً كان ولا ما أشبه مما لم تتوفر فيه شروط الحد سارقاً ومسروقاً وظرفاً للسرقة . فأين - إذاً - الهمجية في سَنِّ حد السرقة وما سواها من جرائم ، وهو حدُّ من شيوع اللاأمن بالنسبة للأعراض والنفوس والأموال ، فحين تقطع يد واحدة سارقة متعمدة مقصرة ، أفهذا أقسى للجماعة ؟ أم تحرير الأيادي السارقة تستمر في السرقة ، ولا يعالجها
--> ( 1 ) لذلك لم يقطع عمر في عام الرمادة حينما عمت الحاجة ، ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة عندما سرق غلمان ابن حاطب ابن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ولن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأعنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ؟ الناقة تأيباً له