الشيخ محمد الصادقي
312
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فالآتي بعمل صالح دون نية صالحة ، أم عمل غير صالح بنية صالحة ، لا يتقبل منه ذلك العمل ، لأنه غير متقٍ فيه ، حيث التقوى تحلِّق على ظاهر العمل وباطنه ، ونفس « يُتَقَبَّلْ » اللَّامح إلى تكلُّف القبول ، مما يدل على أن العمل لا يقبل إلّا بشروط صالحة دونما فوضى جزاف . وهنا الأخ المهدَّد بالقتل لا يُجابه أخاه بخشونة ، بل بكل ليونة ، فلا يقول إنك غير متق فلم يتقبَّل منك ، أو إنني متَّقٍ فتُقبِّل مني ، بل كضابطة سارية المفعول كيفما كان انطباقها : « قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » والتقبل وعدمه هما من فعل اللَّه ، وليس منّا إلّا ظرف التقبل وعدمه ، فهل أنا مجرم إذ حصلتُ على ظرف التقبل ، فأستحق أن أُقتل ؟ ! . أترى من تقواه ألّا يبسط يد الدفاع عن نفسه إلى من يبسط إليه يد القتل ؟ والدفاع عن النفس وعمَّا دونها حق طبيعي لكل ذي نفس ، كأصل من أصول الشرعة الأحكامية ! . النص هنا « ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ » لا « لا أدافع عن نفسي » فهنالك يدان تُبسطان إلى من يريد القتل ، يدُ القتل وهي أثيمة كيَدِ القاتل المتطاول ، وهذا التقي ينفيها ، ثم يد الدفاع حسب الضرورة والمستطاع ولا ينفيها ، فعلَّه إغتاله « 1 » فيَد الدفاع - إذاً - غير مبسوطة قضيةَ المفاجأة ، أم قاتله ، فيد الدفاع مبسوطة ولكنه أغتيل ولم ينفعه الدفاع . ثم « ما أَنَا بِباسِطٍ » دون « لا أبسط » تنفي محاولة القتل من التقي على أية حال ، لمكان الدوام المستفاد من صيغة الفاعل ، ف « ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ » هذا - ثم يبين ظاهرة تقواه مع من يريد قتله بطغواه : « لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ
--> ( 1 ) ) في تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما قرب ابن آدمالقربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال : تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل ، دخله من ذلك حسد شديد وبغى على هابيل ، ولم يزل يرصده ويتبع خلوته حتى ظهر به متنحياً من آدم فوثب عليه وقتله فكان من قصتهما ما قد أنبأ اللَّه في كتابه مما كان بينهما من المحاورة قبل أن يقتله - الحديث . . . أقول : واللامح منه أن قتله كان غيلة مفاجئَة ، فلم يمكن من نفسه ولم يجد ظرفاً للدفاع عن نفسه . وفي البحار 11 : 218 في قصة هابيل وقابيل - إلى أن قال - فقال قابيل : لاعشت يا هابيل في الدنيا وقد تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني وتريد أن تأخذ أختي الحسناء وآخذ أختك القبيحة فقال له هابيل ما حكاه اللَّه فشدخه بحجر فقتله روي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام