الشيخ محمد الصادقي
304
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
يرتكبها بحق أخيه التقي البريءِ ، ثم يرتبك نادماً أسفاً ، وهنا تتقدم مهمة ناموس الحياة وصيانتها في قصة ابني آدم كاشفة عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية الحاسدة الكاسدة ، كما تكشف عن بشاعة هذه الجريمة في نفسها ، وفجورها ، وضرورة الوقوف في وجهها ، وفرض العقاب الصارم على فاعليها ، ومقاومة البواعث والدوافع الكوارث التي تبعث النفس للإقدام عليها ، وليعتبر سائر بني آدم مما حصل لابني آدم ، ويأخذوه متراساً عن كل بأس ونبراساً ينير الدرب لمن يدق باب الصلاح والإصلاح . وقد ينبهنا عُظمَ قتل النفس البريئَة أحاديث جمة مثلما يرويه الإمام الصادق عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنه وقف بمنى حتى قضى مناسكها في حجة الوداع - إلى أن قال - فقال : أي يوم أعظم حرمة ؟ فقالوا : هذا اليوم ، فقال : أي شهر أعظم حرمة ؟ فقالوا : هذا الشهر ، قال : فأي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا : هذا البلد ، قال : فإن دماءَكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم ، ألا هل بلّغت ؟ قالوا : بلى ، قال : اللّهم أشهد ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من إئتمنه عليها فإنه لا يحل دم إمرىءٍ مسلم ولا ماله إلَّا بطيبته نفسه ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفاراً . « 1 » « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » « 2 » . النبأ هو خبر ذو فائد عظيمة ، وهذه التلاوة المباركة تحمل عظيم الفائِدة وجسيم العائِدة لبني آدم ككل ، درساً عن ابني آدم الأولَين لآخرين منهم إلى يوم الدين . فليسا هما ابني رجل إسرائيلي سمي بآدم ، زعَم الإستيحاء من « مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ . . » فإنه عَلَم لأبي البشر الأوَّل ، لا يعني في سائر القرآن ال « 25 » مرة إلّا إيّاه لا سواه ، ولئن سُمِّي غيره بإسمه فيؤتى في يتيمة قرآنية كما يزعم ههنا ، فواجب الفصاحة والبلاغة القرآنية القمة قَرنُ قرينة صارحة صارخة تحوِّله عن مسماه الأصيل إلى
--> ( 1 ) وسائل الشيعة 19 : 3 القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أسامة زيد الشمام عن أبي عبداللَّه عليه السلام أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقف . . ( 2 ) 5 : 27