الشيخ محمد الصادقي
271
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فلا حد عليه ، وكما في أشد منه : من يسعى في الأرض فساداً « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ » « 1 » . ف « مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » يعني من بعد الجلد ، وإلّا فلا موقع ل « بَعْدِ ذلِكَ » إذا كانت التوبة تدرءُ الحدّ بعد ثبوت القذف ، فإذا تاب عما قذف وأصلح ، أن كذّب نفسه عند من قَذف لديه ، واسترضى من قُذِف إن أمكن « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » يغفر هذا المثلث ، أوّله بما جلِّد عذاباً في الدنيا ، دون غفر للجلد ، فإنما غفرٌ لذنبه بالجلد ، وثانية « عدم قبول الشهادة » لأنه كان بسبب فسقه وقد تاب عنه وأصلح ، وأما ثالثه : فسقه عند اللَّه ، فكذلك الأمر ! . فسقه هذا سبَّب هذه التأديبات الثلاث ، فتوبته تغفرها كلها إلّا الجلد لمكان « مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » فلا هو يعذب في الآخرة بعد عذاب الدنيا حيث تاب ، ولا هو فاسق عند الناس كيلا تقبل شهادته ، ولا هو فاسق عند اللَّه لكي يعذب في يوم اللَّه . فحتى إذا اختص الاستثناء بالجملة الأخيرة « 2 » وهي هنا فسق القاذف عند اللَّه ، كان شاملًا هنا للثلاث فيما سوى الجلد ، لأنها كانت بسبب الفسق عند اللَّه ، فمن كان عادلًا عند اللَّه فليكن عادلًا عند الناس ، والتائب عن قذفه ، المصلح ، ليس فاسقاً عند اللَّه ، فليكن عادلًا عند الناس ، فكيف لا تقبل شهادته بعد ؟ ف « لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً » مخصوصة بعدم التوبة والإصلاح ، وأما بعدهما فشهادتهم مقبولة دون ريبة وكما يؤيده المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة من آل الرسول عليهم السلام « 3 » وهل
--> ( 1 ) 5 : 34 ( 2 ) ) اختلف الأصوليون ان الاستثناء عقيب جمل متعددة مرتبطة ببعض هل يخص الجملة الأخيرة أم يعمالجميع ، والحق هو الثاني فان مقتضى البيان وبلاغته ولا سيما القرآن الذي هو في قمة البيان ان يذكر استثناء ما يستثنى منه وراءه دون فصل حتى لا يشتبه الامر ، ففي الآية - بعد الغض عن دلالته الثانية على شموله للجميع ، لو كان الاستثناء خاصاً بغير « لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً » لكان حق الكلام ذكر الاستثناء قبل « وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً » حتى تكون صريحة في النفي المطلق : « . . فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا . . ثم وأو الجمع في الآية تجعل الجمل كجملة واحدة والاستثناء راجع إلى الكل كجملة واحدة فاختصاصه بالبعض بحاجة إلى قرينة صارفة ( 3 ) ) الدر المنثور 5 : 20 - اخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا » قال : توبتهم إكذابهم أنفسهم فان كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم ، واخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : قضى اللَّه ورسوله ان لا تقبل شهادة ثلاثة ولا اثنين ولا وأحد على الزنا ويجلدون ثمانين ثمانين ولا تقبل لهم شهادة أبداً حتى يتبين للمسلمين منهم توبة نصوح وإصلاح . ثم أقول : رجوع الاستثناء فقط إلى الجملة الأخيرة لا دليل عليه اطلاقاً ، ولا سيما مثل هذه الآية ، والجملات الثلاث فيها على أصل وأحد هو الفسق المغفور بالتوبة . هذا راجع إلى الرقم ( 1 ) وفي النور الثقلين 3 : 575 ج 36 - الكافي باسناده المتصل عن القاسم بن سليمان قال : سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حداً ثم يتوب ولا يعلم منه إلّا خير أتجوز شهادته ؟ قال : نعم - ما يقال عندكم ؟ قلت : يقولون : توبته فيما بينه وبين اللَّه ولا تقبل شهادته ابداً ، فقال : بئس ما قالوا ، كان أبي يقول : إذا تاب ولم يعلم منه إلّا خير جازت شهادته . وفي الوسائل 18 : 243 ح 1 محمد بن علي بن الحسين باسناده عن سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : شهود الزور يجلدون حداً وليس له وقت ، ذلك إلى الامام ويطاف بهم حتى يعرفوا ولا يعودوا قال قلت : فان تابوا واصلحوا تقبل شهادتهم بعد ؟ قال : إذا تابوا تاب اللَّه عليهم وقبلت شهادتهم بعد . وفي 382 ح 1 عن أبي الصباح الكناني ، قال سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته ؟ قال : يكذب نفسه ، قلت : أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته ؟ قال : نعم وفي ح 3 عن السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام ليس أحد يصيب حداً فيقام عليه ثم يتوب إلّا جازت شهادته . وفي ح 4 أحدهما عليه السلام سئل عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب ؟ قال : نعم - قيل : وما توبته ؟ قال : يجيء فيكذب نفسه عند الامام ويقول : قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال و 5 عن الكناني قال : سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن القاذف إذا أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته قال : نعم . واما ح 6 عن علي عليه السلام قال : ليس أحد يصيب حداً فيقام عليه ثم يتوب الا جازت شهادته الا القاذف فإنه لا تقبل شهادته ان توبته فيما كان بينه وبين اللَّه تعالى فهو مردود بمخالفة الكتاب والسنة المستفيضة ! . إضافة إلى معارضة ما عنه عليه السلام ح 3 ص 284 قال : ليس يصيب أحد حداً فيقام عليه ثم يتوب الا جازت شهادته وح 1 عن عبداللَّه بن سنان قال سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته ؟ فقال : إذا تاب وتوبته ان يرجع مما قال ويكذب نفسه عند الامام وعند المسلمين فإذا فعل فان على الامام ان يقبل شهادته بعد ذلك