الشيخ محمد الصادقي

247

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

حكم ثان على الزانية ينسخ الحكم الأول في النساء : « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » « 1 » وقد جعل لهن سبيلًا هنا في النور « 2 » نهائياً ، بعد سبيلهن في النساء مؤقتاً بدائياً ، مما يدل على تقدم النساء على النور ، وأن حكم الزُّناة تدريجي تصاعدي كما هو طبيعة الحال في جملة من الأحكام - دون جملتها - الأحكام التي فيها صعوبات ولا بد لتحملها من تدرجات وتدربات كالحد في شرب الخمر وأمثاله ، وكالفرض في الصلاة وأمثالها . أترى الرجال الزانون ما كان عليهم حد في البداية ، وقد كان على الزناة حيث آيته الأولى تخصهن ؟ أجل ولكنه أجمل حدّها فيهم كما في الزناة في التي تليها : « وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً » « 3 » . وهل إن حدّ الزانية - وهي أضعف - يكون أقوى من الزاني وهو أقوى ؟ ثم ونسبة الزنا إليه أقوى منها لأنه هو الذي يتطلبها ليفعل فيها ، فهو - إذاً - أغوى ، وليست هي التي تطلبه وإن كانا فاعلين باختيار ؟ فكيف جمع إلى إيذاءها تخليدها في بيت دونه ! . ليس تخليدها في بيت إلّا حفاظاً عليها ولكي تنقطع عن الذين يريدونها « حتى يجعل

--> ( 1 ) ) 4 : 15 ( 2 ) نور الثقلين 3 : 568 ح 5 في أصول الكافي عن أبي جعفر عليه السلام حديث طويل يقول فيه : وسورة النور أنزلت بعد سوة النساء وتصديق ذلك ان اللَّه عز وجل أنزل عليه في سورة النساء « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » والسبيل الذي قال اللَّه عز وجل « سُورَةٌ أَنْزَلْناها . . الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا . . . » . وفي الوسائل 18 : 351 ح 11 علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلًا من تفسير النعماني باسناده الآتي عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين في حديث الناسخ والمنسوخ قال : كان من شريعتهم في الجاهلية ان المرأة إذا زنت حبست في بيت وأقيم بأودها حتى يأتيها الموت وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيّروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا قال اللَّه في أول الإسلام « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ . . » فلما كثر المسلمون وقوي الإسلام واستوحشوا أمور الجاهلية انزل اللَّه تعالى : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا . . » فنسخت هذه آية الحبس والأذى ، ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره مرسلا نحوه ( 3 ) 24 : 16