الشيخ محمد الصادقي
242
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فلئن لم تكف « الزَّانِيَةُ » شمولًا للمساحقة فشمول « الْفاحِشَةَ » لها وآية النور للّاتي يأتين الفاحشة قد يكفي دلالة ظاهرة على ذلك الشمول . ذلك ، وماذا نسخت آيات النور من هذه الآية ؟ إنها نسخت - فقط - حد الإمساك في البيوت بحق الفاحشات حداً ، وبحق الفاحشين إيذاءً طليقاً بعد إقامة البينة ، فالإيذاء بثبوت دون بيّنة غير منسوخ بآية النور ، كما أن « أَرْبَعَةً مِنْكُمْ » غير منسوخ بل وهي متأيدة بأربعة النور ، بل والإمساك ليس منسوخاً بها لمكان « أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » المصرحة بان الإمساك حكم عليهن محدد حتى تأتي سبيل أخرى وقد أتت . ثم الإيذاء يقدر بقدر الفاحشة كماً وكيفاً ، كما يقدر بقدر الانتهاء عنها ، ابتداءً باللسان وإنتهاءً بالضرب كما في باب النهي عن المنكر ككل ، فلا يؤذى بالضرب من ينتهي باللوم ، ولا يكتفى باللوم من لا ينتهي إلا بالضرب ، وليس الإيذاء - فقط - نهياً عن استمرارية الفاحشة ، بل هو حدٌ ونهي ، فإن تاب وأصلح فلا إيذاء مهما كانت التوبة قبل الإيذاء حيث يزول الحد بهما « إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً » . ذلك ، « فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا » توبة إلى اللَّه عن الفحشاء وإصلاحاً بها وبعدها ، فقد يتوبان عما سلف دونما تصميم على تركها بعد ، أم يتوبان نصوحاً دونما إعلان للذين شهدوا الفحشاء أم عرفوها ، فهاتان من التوبة غير المصلحة مهما كانت صالحة في نفسها بقدرها ، وطليق « أَصْلَحا » يعمم الإصلاح ما أمكن فيما أفسدا ولا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها . والتفريع في « فَإِنْ » يؤذن بأن الحد والأياء محدودان بما قبل التوبة المصلحة ، « فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا » من ذي قبل فلا حد ولا إيذاء ، ولا سيما إذا كانت التوبة قبل الشهادة . « فَأَعْرِضُوا عَنْهُما » على أية حال ، فإن كانت التوبة قبل الإيذاء فإعراضاً عن أصله ، وإن كان ضمنه فإمساكاً عنه « إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً » تواباً على التوابين ، رحيماً بالمسترحمين . وفي ذلك الإعراض سلبية الإيذاء وإيجابية الاصلاح ، فكما التوبة منهن اعراض عن الفاحشة والإصلاح تطهير لهن عن مخلفاتها ، كذلك على المجتمع الإسلامي التماشي