الشيخ محمد الصادقي
238
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
مِنْكُمْ » بمن لم يثبت فسقه ، ثم « فَتَبَيَّنُوا » تثبت بصورة عامة شرط الوثاقة وهي أعم من العدالة ، فلتكن « أَرْبَعَةً مِنْكُمْ » موثوقاً بهم في حقل الشهادة مهما لم يكونوا من العدول ، والاكتفاء بالوثاقة في حقل الشهادة على الفاحشة هي طبيعة الحال ، إذ لو شرطت العدالة لاستحالت تلك الشهادة ، وتلقيّها ليس إلا أمراً عابراً للعابرين على محضر الفاحشة ، فإن عبور العدول على الفاحشة البينة قلة وإن عبروا فتلقيهم قلة لأنه ليس واجباً عينياً وللعادل التقي أن يتحذر عنه ما لم يفرض عليه عينياً ، ثم ونفس هذه الفاحشة قلة قليلة ، فلا تثبت - إذاً - فاحشة بهذه المضايقة في الشهود أن يكونوا عدولًا ، فإنما يكتفى بوثاقتهم ، أو عدم تبين الفسق فيهم . فعند ثبوت الفاحشة عندكم « فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ » لإجراء حدود اللَّه عليهن ، والشهود الأخر ثلاثة إن كان الرامي من الشاهدين ، وإلا فأربعة إن لم يكن وإنما علم من طرق أخرى . « فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ » بيوتهن أو بيوت أزواجهن أو أهليهن ، فالممسك لهن هو البيت الأنسب الأحق لهن ، الأحفظ لعفافهن والأضبط عن تفلتهن . والمأمور بالإمساك في ككل هو الحاكم الشرعي مهما كان هو المستشهد أم سواه ، أم هو الشاهد أمَّن سواه ، كما أنه المشهود عنده إذا لم يكن هو شاهداً من الأربعة ، ثم المنفذ لذلك الإمساك هم الأزواج والأهلون ، أم والرقابة عليهن من الحكام . وذلك الإمساك لهن سياج صارم لا مرد له ، حيث التعرض للفاحشة في قبيل النساء لا مجال له عادياً إلّا الخروج عن بيوتهن ، فأسلم السبل وأسبلها لصدهن عن إتيان الفاحشة - قبل سائر السبل - هو الإمساك في البيوت ، نفياً عن مخالطتهن بالمجتمع حفاظاً عليها وعليهم وبالتالي سلباً عن زواجهن إن لم يكن لهن أزواج ، فتركاً - إذاً - لكل النشاطات التي تستلزم الخروج عن البيوت . وأما الرجال فليس إمساكهم في البيوت أم السجون سبيلًا لهم صالحة لإمساكهم عن الفاحشة حيث الحياة المعيشية لا تصلح إلا بخروج الرجال ، فلا بد لهم من سبيل أخرى كالإيذاء المذكور في الآية التالية .