الشيخ محمد الصادقي
21
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
وما تمجُّه هي من الخبائث ، والمختلف فيه بين مختلف الفِطَر السليمة لا تعتبر من الخبائث ، فالميزان في الطيبات والخبائث هو الفطرة والحس والعقلية السليمة ، مثلث من السلامة الإنسانية إضافة إلى قضية الإيمان ، فإن حالة الإيمان هي حالة قدسية تكاملية لإنسانية الإنسان ، يصح أن تكون هي المحور الأصيل لتمييز الخبائث عن الطيبات ، دون الإنسان المنحرف عن إنسانيته ، المنجرف إلى حيوانيته ، فكما لا يمكن تحويل معرفة الحكم الشرعي وموضوعه السليم إلى العقول المتخلِّفة المختلفة ، المتفاوتة ، كذلك وبأحرى تحويل معرفة هذين الموضوعين الهامَّين لضابطة المحلَّلات والمحرمات ، اللّهم إلَّا إلى الفِطَر السليمة التي لا تتخلفف عن الواقع المُرام . وإذا ترددنا في طيب شيءٍ أو خُبثه فالرجوع إلى دلالة شرعية صالحة من علم أو إثارة من علم ، وإلّا فالأصل هو الحلُّ حيث الحرمة مختصة بالخبائثِ والمردد في خبثه وطيبه لا يحكم بخبثه مهما لم يحكم بطيبه ، فيدخل في عامة الحلِّ حيث « هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » . « 1 » ولقد جاء حِل « الطَّيِّباتُ » في عشرين موضعاً من القرآن ، و « الْخَبائِثَ » مرة واحدة ، و « يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ » « 2 » وأخرى هي الخبيثات : « الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ » « 3 » ولكن الأخيرة تعني الأعمال الخبيثة كما حققناه في آية الخبيثات . وذلك السلب والإيجاب هما كضابطة عامة تحلق على كافة الأقوال والأحوال والأعمال ، اللهم إلا ما أخرجه قاطع البرهان . ومن « الطَّيِّباتُ » في حقل اللحوم هنا « وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ » وتراها تختص بجوارح الكلاب المختصة بالصيد ، المعلَّمة له ، لمحةً من « مُكَلِّبِينَ » ؟ و « الْجَوارِحِ » تعم الكلب إلى كل سبع جارح معلَّم ، فلو عني الكلاب لجيءَ بلفظها دون عامة « الْجَوارِحِ » ، والتكليب هو تعليم الكَلبِ الصالح للجوارح ، وأصل الكَلْب من الكلَب :
--> ( 1 ) 2 : 29 ( 2 ) ) 7 : 157 ( 3 ) ) 24 : 26