الشيخ محمد الصادقي
185
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
أترى « مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ » الموعود بهذه المعية المشرِّفة هو كل من أطاع اللَّه ورسوله مهما كانت قليلة ؟ وليست تكفي هكذا طاعة لهدي الصراط المستقيم . « 1 » « يُطِعِ » بالصيغة المضارعة دون « أطاع » تلمح صارحة إلى استمرارية الطاعة ، وأنها سنة المطيع في حياته الإيمانية ، مهما فلت عنه فالت وابتلي بلمم عن جهالة مغفورة . وتلك الطاعة محلقة على كافة الحقول الحيوية عقيدية وثقافية وخلقية وعملية أمّاهيه ؟ . لتحكم بين الناس بما أراك اللَّه 3 « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً » « 2 » . على ضوء هذه اليتيمة المنقطعة النظير نعرف مدى حاكمية الرسول صلى الله عليه وآله بين الناس ، حاكمية هي في الأغلبية الساحقة في الحقول السياسية والجماعية والحربية أماهيه من دون الأحكامية المتعودة ، حيث الحاكم في الحقل الأحكامي هو اللَّه بكتابة وسنة نبيه صلى الله عليه وآله . « 3 »
--> ( 1 ) كما فصلناه على ضوء آية الحمد فراجع الفرقان ( 1 : 117 - 133 ) ( 2 ) 4 : 105 ( 3 ) وقد وردت روايات بشأن نزول هذه الآيات مما أوجبت التنديد الشديد المديد بالذين أرادوا الرسول صلى الله عليه وآله أن يكون للخائنين خصيماً ويجادل عن الذين يختانون أنفسهم وهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللَّه ، وهم أولاء الذين يكسبون إثما ثم يرمون به بريئاً ويريدون ان يضلوا الرسول بما ضلوا وهم يشاقون الرسول بعد ما تبين لهم الهدى . ففي نور الثقلين 1 : 547 عن تفسير القمي في الآية كان سبب نزولها أن قوماً من الأنصار من بني أبيرق اخوة ثلاث كانوا منافقين بشير ومبشر وبشر فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدرياً وأخرجوا طعاماً كان أعده لعياله وسيفاً ودرعاً فشكى قتادة ذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول اللَّه ان قوماً نقبوا على عمي وأخذوا طعاماً كان أعده لعياله ودرعاً وسيفاً وهم أهل بيت سوء وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له لبيد بن سهل فقال بنو أبيرق لقتادة : هذا عمل لبيد بن سهل فبلغ ذلك لبيداً فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال : يا بني أبيرق أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني وأنتم المنافقون تهجون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وتنسبونه إلى قريش لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم فداروه وقالوا له : ارجع يرحمك اللَّه فإنك بريءٌ من ذلك فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له أسيد بن عروة وكان منطقياً بليغاً فمشى إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول اللَّه ان قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف ونسب فرماهم بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم فاغتم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال له : عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة وعاتبه عتاباً شديداً فاغتم قتادة ورجع إلى عمه وقال : يا ليتني مت ولم أكلم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقد كلمني بما كرهته فقال عمه : اللَّه المستعان ، فأنزل اللَّه في ذلك على نبيه هذه الآيات إلى « بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً »