الشيخ محمد الصادقي

79

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ثم « سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ » لا تعني التي تختص بهم ، وإنما ما تحمل فضْحهم بكثير أو قليل ، إذاً فكل السور التي تتحدث عنهم هي معنية ب « سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ » . وهنا « عَلَيْهِمْ » لا تعني نزول سورة وحياً إليهم ، وإنما تعني « على » فضحاً واضراراً بهم ، ولقد جربوا أن اللَّه ليس ليخفي على رسوله مكائدهم الظاهرة بينهم ضد المؤمنين ، والمبطنة عندهم ، فالرسول صلى الله عليه وآله هو نفسه يعرفهم في لحن القول : « وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ » « 1 » . ذلك ، فلا يرد على الآية ما خيِّل إلى الناس بسطاء أم شياطين أن كيف « يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ » وهم لا يؤمنون بالوحي فضلًا « أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ » وهي لا تنزل إلّا على رسول الوحي ؟ . هذا لأنهم « جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » فهم على إستيقانهم بحق الوحي يجحدونه ظالمين ، واللَّه يخبر عن طويتهم أنهم يحذرون بما هم يعرفون الوحي وما هم مجربون ، حيث تكرر إنباءات اللَّه ورسوله والمؤمنين عن نياتهم وطوياتهم ، وعن قالاتهم سابقة ولا حقة . وهنا « إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ » يعني إخراجه عن مخبئِه ، فإحراجاً لُمخبئه ، والأمر الظاهر الذي يمكن الحصول عليه بتحبسس وتحسس ليس ليُخرج ، إنما يُخرج المكتوم غير المعلوم ، ولقد بلغ حذرهم أن تنزل عليهم سورة تنبئهم أنهم « يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ » . « 2 » ذلك ، ثم الحذر لا يلازم العلم بالمحذور المحظور ، فقد يكفيه مجرد احتمال ، فهب إن هؤلاء المنافقين لم يكونوا على يقين بصدق الوحي ، ولكن إحتماله على أية حال وارد ، إذ لا يملكون برهاناً على كذبه ، وساطعة البراهين على صدقه ظاهرة باهرة . وقد يحتمل إضافةً إلى ما قدمناه أن ضمير الجمع الغائب في « عليهم تنبئهم »

--> ( 1 ) . سورة الرّوم 30 : 47 ( 2 ) . سورة المنافقون 63 : 4