الشيخ محمد الصادقي
39
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
لأنهما من أهل الكتب السماوية وهي كلها تحمل الشرعة المعتدلة الوسط ، اللّهم إلّا بالنسبة لإفراط اليهود في الاتجاهات المادية ، وتفريط النصارى فيها مبدئياً كنسيّاً - مهما تورطوا في الماديات وأكثر من اليهود ، ولكن « جَعَلْناكُمْ » يختص الوسط بجعل رباني وليس الإفراط والتفريط يهودياً ونصرانياً من جعل اللَّه ! أم هم الوسط بين الرسول والناس ، كما ينادي به الإنقسامات الثلاث : شهداء على الناس - الرسول الشهيد على الشهداء ، وناس ، فطبيعة الحال قاضية هنا باختصاص للشهداء على الناس بهذا الرسول الشهيد عليهم . فهل هم - بعدُ - كل الأمة الإسلامية ؟ وفيهم بغات وفساق طغات ! أم وعدول لا يصلحون للشهادة على الناس ! « 1 » اللّهم إلّا شهادة على حق الوسط الإعتدال . إن نفس الشهادة على الناس كوسط بين الرسول والناس ، يحدُ موقف الأمة الوسط ، فهنالك شهادة متعدية بنفسها : شهده ، وهنا « شهد على » أم شهادة له لصالحه كدعاية ذاتية ، أم تمثيلًا للكيان الرسولي ؟ وهنا « شهد على » . ف « شهده » تتطلب حضوراً عند العمل أياً كان ، حضوراً ذاتياً أم علمياً ، ولا يتيسَّر إلّا للرسول عليه السلام والمعصومين من عترته عليهم السلام ! . و « شهد له » محصورة في بعديها بالعدول الصالحين من الأمة المسلمة . ثم و « شهد عليه » هنا في الدعاوي ، تتطلب العدالة ، وليست الأمة - ككل - عادلة ، ولا أن الآية تختص الشهادة بالدعاوي .
--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 135 عن تفسير العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : قال اللَّه : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . . . » فان ظننت ان اللَّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين ، أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللَّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية ؟ كلّا ! لم يلعن اللَّه مثل هذا من خلقه ، يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » وهم الأمة الوسطى وهم خير أمة أخرجت للناس . أقول : فكما الرسول شهيد على الأمة الوسط كذلك الأمة الوسط شهيدة على الناس ، وقد تعني الشهادة هنا كل مراحلها ولكنها محصورة في الشهادة على ، من شهادة الاعمال لكي تكون وسطاً ، وشهادة عليها القاءً لها يوم يقوم الاشهاد فلابد اولًا من تلقيّها