الشيخ محمد الصادقي
303
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ثم وليست الرجولة ترك البيع والتجارة ، إنما هي ألّا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه « وإن للذكر لأهلًا أخذوه من الدنيا بدلًا ، فلم يشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللَّه في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر وينتاهون عنه قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه وحققت القيامة عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون » « 1 » . وكما أن نورهم أضوَءُ الأنوار ، كالشمس في رايعة النهار في مثلث الذات والافعال والصفات ، كذلك جزاءهم بين العالمين عند رب العالمين هو أحسن الجزاء : « لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » « 2 » . هنالك تَقدِماتٌ لهم إلهية وبشرية كأحسن ما يمكن ، ليجزيهم اللَّه أحسن ما عملوا ، ف « مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ . . . نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ . . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ . . . يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ . . . يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ « 3 » لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا » ذلك نور أولّ في الجزاء ، ثم « وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » نور ثان ، فجزاءهم نور على نور كما هم نور على نور ! . وماذا تعني « لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا » ؟ هل هو الجزاء الأحسن مما عملوا ؟ « وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » يعنيه ! ثم ولا يعنيه إلّا الأحسن مما عملوا لا أحسن ما عملوا ، حيث الجزاء بالعمل وليس نفسَ العمل : « أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا » « 4 » فإنه قبول للعمل الأحسن لا الجزاء فإنه فعل الرب ؟ ثم الجزاء يعم الحسن دون اختصاص بالأحسن ؟ .
--> ( 1 ) . نور الثقلين 3 : 610 ح 192 عن نهج البلاغة عند تلاوته عليه السلام « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ . . . » ( 2 ) . سورة النور ، الآية : 38 ( 3 ) ) . اذاً فجزاءهم هو عن ثمانية كعدد أبواب الجنة ( 4 ) ) . 46 : 16