الشيخ محمد الصادقي
282
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
المشيآت فيها ، وهي حصيلة الدعوة الرسالية الصعبة الملتوية ليل نهار ، ذكرى أنه لا يسألهم على هذا أجراً إلّا المودة في القربى وهي لهم ، وإلّا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا . لقد كان الاستثناء منقطعاً معنوياً حيث المودة هذه لم تكن أجراً ، وإن كان متصلًا لفظياً حيث سماها أجراً وما هي بأجر ، ثم وليس مجرد عدم تناول الأجر بل ويتناولون هم أجراً وزيادة « وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً . . . » ! ثم ومن بعد الأجر وزيادته غفراً وشكراً . فخصيصة هذه المودَّة أنها ليست أجراً له ، وهي لهم ، وهي السبيل إلى ربهم ، وليست القربى أشخاصاً ، وإنما هي الأقربية إلى الرسول رسالياً وإلى اللَّه بعد الرسول معرفياً وعبودياً ، المتمثلة في الأئمة من عترته المعصومين صلوات اللَّه عليه وعليهم أجمعين ، والحمد للَّهالذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه . أئمة أهل البيت عليهم السلام هم من أصدق الصادقين « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ » « 1 » . الصادقون هنا هم الصادقون في إيمانهم بأيمانهم وسواها من قالاتهم وحالاتهم وفعالاتهم ، ف « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ . . . » صدقاً طليقاً حقيقاً بصالح الإيمان . فالكون مع الصادقين في كينونة الصدق هو من معارض تقوى اللَّه ، وهنا مدارج ثلاث : « آمَنُوا - اتَّقُوا اللَّهَ - كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ » فمن كمال الإيمان هو تقوى اللَّه عملياً كما آمنتم لفظياً وقلبياً ، تقوىً عن كل ما لا يرضاه اللَّه ، ثم من كمال التقوى هو الكون مع الصادقين « 2 » وهم أئمة المؤمنين المتقين الصادقين ، فهم - لأكمل مصداق - أئمة الدين « 3 »
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 119 ( 2 ) في الدر المنثور 3 : 290 عن ابن مسعود قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذاباً » وفيه عن أسماء بنت يزيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله خطب فقال : ما يحملكم على أن تتبايعوا على الكذب كما يتتابع الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو إصلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها ، وعن أبي بكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : الكذب مجانب للإيمان ، وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله قال : يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب ، وعن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : الكذب يسود الوجه والنميمة عذاب القبر ، وعن أسماء بنت عميس قال كنت صاحبة عائشة التي هيأتها فأدخلتها على النبي صلى الله عليه وآله في نسوة فما وجدنا عنده قرى الأقداح من لبن فتناوله فشرب منه ثم ناوله عائشة فاستحيت منه فقلت : لا تردي يد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأخذته فشربته ثم قال : ناولي صواحبك فقلت لا نشتهيه فقال : لا تجمعن كذباً وجوعاً فقلت إن قالت إحدانا لشيءٍ تشتهيه لا نشتهي أيعد ذلك كذباً فقال : إن الكذب يكتب كذباً حتى الكذيبة تكتب كذيبة ، وعن الحسن بن علي عليهما السلام سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة ، وعن ابن عباس قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : في خطبته : إن أعظم الخطيئة عند اللَّه اللسان الكاذب ذلك ومن طرائق الالتزام بالصدق ما يروي أن واحداً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال : إني رجل أريد أن أؤمن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها فإن قنعت مني تبرك واحد منها آمنت بك فقال صلى الله عليه وآله : أترك الكذب فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبي صلى الله عليه وآله عرضوا عليه الخمر فقال : إن شربت وسألني الرسول صلى الله عليه وآله عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد ، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا السرقة فعاد إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال : ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي وتاب عن الكل ( 3 ) الدر المنثور 3 : 290 - أخرج ابن مردويه عن ابن عابس في الآية قال : مع علي بن أبي طالب عليه السلام وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر مثله