الشيخ محمد الصادقي

166

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

المؤمنين . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » « 1 » : « الَّذِينَ آمَنُوا » هنا يعم كل من أقر بلسانه ولمّا يدخل الايمان في قلبه ، أم دخل ولّما يتم في عمله ، أم هو منافق كافر بقلبه مقر بلسانه أم وبعمله ، فالإرتداد عن الدين هنا يشمل مثلثه ، بل الذي يرتد عن إقرار دون إيمان هو أظهر مصاديق المرتدين عن الدين وأكثرهم حيث المؤمن بقلبه ليس ليرتد عن دينه اللّهم إلّا شذراً نزراً بشبهة دخلت في قلبه قد تعذره عن ارتداده . ثم ومن الإرتداد هنا المسارعة إلى اليهود والنصارى بعاذرة « نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ » أمّا أشبه أم دون أية عاذرة ، فالمحور المعني من الإرتداد هنا ليس هو الردة الجاهرة مهما كانت معنية ضمنياً ، بل هي الردة المعنية من موالاة اليهود والنصارى مسارعة فيهم ، مهما كانت الجاهرة أردى وأنكى . إذاً فهي - بصورة طليقة - الردة عن الإسلام المحض الشاملة كأصل لتلك الموالاة ، دون محض الإسلام الخاص بالمرتدين الرسميين عن الإسلام . « مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ . . . » تهديد شديد بالمرتدين عن الدين ألّا حاجة للَّه فيهم ولا كرامة ، وبشارة للصامدين على الدين أنه « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ » لهم مواصفاتهم المسرودة هنا ، يستبدلهم بهؤلاء المرتدين ، عزاً للدين والدينين . هنا « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ » تلمح صارحة صارخة أن هؤلاء الموصوفين لمّا يأت بهم اللَّه عند ذلك الخطاب ، أم ولا يأتي بهم عاجلًا ، ولا آجلًا قريباً لمكان « فَسَوْفَ » المسوفة إلى بعيد من الزمن ، فقد لا ينطبق « بِقَوْمٍ » على كثير ممن يدعى ويروى أنهم أولاء المعنيون « 2 » .

--> ( 1 ) . سورة المائدة - آية 54 ( 2 ) . كأبي بكر وأصحابه كما يروى وقد كانوا مع الرسول صلى الله عليه وآله فكيف سوف يأتي اللَّه بهم ، ثم وأبو بكر الذي لم ينزل اللَّه سكينته عليه مع الرسول « إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » فهل ان أبا بكر الحزين على ذلك الحدث الهائل كان أحوج إلى السكينة أو الرسول الذي يقول له : « لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » فكيف « فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ » - فقط - على الرسول و « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً » ( 48 : 4 ) « فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً » ( 48 : 18 ) « ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » ( 9 : 26 ) . فهل كان أبو بكر فوق الرسول والمؤمنين حتى لا يحتاج إلى سكينة اللَّه ، أم كان دون المؤمنين كما هو دون الرسول فلم يأهل لنزول السكينة التي نزلت على الرسول وعلى المؤمنين ؟ ما يدريني إلّا كلام اللَّه القائل هنا « فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ » وهناك « عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » . ذلك أبو بكر فكيف يكون - إذاً حال أبي موسى الأشعري رغم ما اخرجه في الدر المنثور 3 : 92 - نزلت هذه الآية قال عمر انا وقومي هم يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : بل هذا وقومه يعني أبا موسى الأشعري