الشيخ محمد الصادقي

147

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« وإن من أسخف حالات الو لاة عند صالح الناس أن يُظنَّ بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جالٍ في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ، ولست بحمد اللَّه كذلك ، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للَّه‌سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء ، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناءٍ لإخراج نفسي إلى اللَّه وإليكم من التقاة في حقوق لم افرغ من أدائها ، وفرائض لابد من امضائها ، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ، ولا التماس إعظام لنفسي ، فإنه من استثقل الحق أن يقال له ، أو العدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه ، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطي ولا آمن ذلك من فعلي ، إلّا أن يكفي اللَّه من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره ، يملك منا ما نملك من أنفسنا ، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا اللَّه بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى » . إن الإمام عليه السلام في ذياك الكلمات المنيرة يخلص الملك والحكم الحق عن شتات ألوان الزور والغرور ، فيخلع لباس الكبرياء والخيلاء وحب الفخر والإطراء واستماع الثناء ، عن الو لاة ، تخصيصاً للكبرياء بمن هي ردائه دون غيره وهو اللَّه تعالى شأنه وعز سلطانه ، وتجويزاً للقصور عن أداء الحقوق المفروضة على الملوك حتى جاوزه إلى نفسه المقدسة قائلًا : فاني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي ! يقول ذلك تخضعا وتذللا لربه تعالى وتقدس ، اتباعا لمن تقدمه من المعصومين كقول يوسف عليه السلام ، وما ابرى نفسي ان النفس لامارة بالسوء ! ثم يستدرك ذلك بتدارك نعمة وسداد من ربه ، ويخلصه عن الخطأ ويعصمه قائلا : الا ان يكفي اللَّه من نفسي ما هو املك به مني !