الشيخ محمد الصادقي

133

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

بعد أربعة أشهر . « فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ » « 1 » . سماح بعد البراءَة أن يأخذوا حريتهم في مكة المكرمة وسواها خلال أربعة أشهر - فقط - وعلّها « الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ » ، شوال ، ذوا القعدة ، ذوا الحجة - محرم ، فإنها الأربعة الحرم المعروفة الثابتة ، مما قد يدل على أن هذه الآيات نزلت قبل شوال . ولأن ذلك الأذان كان « يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ » فقد تكون هذه الأربعة بادئة من يوم الحج الأكبر : الأضحى أم عرفة فعشرون من ذي الحجة ، وتمام المحرم وصفر وربيع الأول وعشرة من ربيع الثاني ، فهذه أربعة أشهر ؟ « 2 »

--> ( 1 ) . سورة التوبة ، الآية : 2 ( 2 ) . نور الثقلين 2 : 182 عن تفسير القمي حدثني أبي عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام ان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمرني عن اللَّه أن لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام وقرأ عليهم « بَراءَةٌ . . » فاجل اللَّه المشركين الذين حجوا تلك السنة أربعة أشهر حتى يرجعوا إلى مأمنهم ثم يقتلون حيث وجدوا ، وفيه روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام قال : خطب علي عليه السلام واخترط سيفه فقال : لا يطوفن بالبيت عريان ولا يحجن البيت مشرك ومن كانت له مدة فهو إلى مدته ومن لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر وكان خطيب يوم النحر فكان عشرون من ذي الحجة ومحرم وصفر وشهر ربع الأول وعشر من ربيع الآخر ، وفيه عن العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبداللَّه عليه السلام مثله ، وعن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة ، قال : وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة وكانت سنة من العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له إمساكها وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف فكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يرده ومن لم يجده عارية ولا كرى ولم يكن له إلا ثوب واحد طاف بالبيت عرياناً ، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كرى فلم تجده فقالوا لها : إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها فقال : كيف أتصدق وليس لي غيرها ؟ فطافت بالبيت عريانه وأشرف لها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها وقال شعراً : اليوم يبدو بعضه أو كله * فما بدا منه فلا أحله وكانت سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قبل نزول سورة براءَة أن لا يقاتل إلا من قد قاتله ولا يحارب إلا من حاربه وأراده وقد كان أنزل عليه في ذلك « فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا يقاتل أحداً قد تنحى عنه ومن لم يعتزله إلا الذين قد عاهدهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة إلى مدة منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو فقال اللَّه عزَّ وجلّ : « بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ » ثم يُقتلون حيثما وجدوا بعد هذه أشهر السياحة عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشراً من ربيع الآخر ، فلما نزلت الآيات من سورة براءَة دفعها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر وأمره أن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد لا يؤدي عنك إلا رجل منك .