الشيخ محمد الصادقي

130

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

على أية حال لقد أدى الإمام علي عليه السلام هذه الرسالة الهامة يوم الحج الأكبر ، بازغاً ب « بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . . » وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » مهدداً إياهم بالقتل بعد الأشهر الحرم « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . . » . ومَن ذا الذي يجرىءُ على أداء هذه الرسالة في وسط من الإشراك - مهما فتحت مكة - دونما تخوف ومجارات إلّا الذي بات على فراش الرسول صلى الله عليه وآله في وسط المشركين المهاجمين ، دون الذي صاحبه في الغار عُدة للفرار وهو مع ذلك خائف لحد يستحق النهي ! . تنزل هذه السورة قبل المائدة وبعد الفتح ، معدةً للمشركين أن يستعدوا للإسلام أو الاستسلام ، بما تتضمن أحكاماً نهائية في صِلات وعلاقات بين كتلتي الإيمان والكفر ، كما تضمنت تصنيف كلّ من الضَّفتين . فالسورة - إذاً - ذات أهمية في بيان المنهج الحركي للإسلام ، والتكتيكي لارتجاع عاصمة الإسلام كاملة بعدما فتحت وبعد تأسيس دولته بعيداً عن العاصمة ، وذلك بكل حسم ومرونة ، حسماً في مجاله ومرونة في مجالته . وهذه السورة بطبيعة حالها بعد الكل وقبل الأخيرة ، هي في عرض الأحكام بين مرحلية ونهائية ، مرحلية هي نهائية للمرحليات السابقة ، وبدائية طليقة للمائدة . نجد مقاطع ستة للسورة في دراسة عنها خاطفة ، هي في الحق عرض لأخطر المواقف للدولة الإسلامية أمام أهليها بمختلف مَن فيها وما فيها من أوساط حرجة مرجة لتخلخل جموع من مختلف الطوائف في هذا الدين الجديد ، جادِّين أم منافقين أم عوان بينهما . في المقطع الأول - وهو ثمانية وعشرون من آيها - عرض لتحديد العلاقات النهائية والوقائية بين المعسكر الإسلامي وجموع المشركين ، فإنها قوية التحضيض والتأليب على قتالهم ، لما في المرونة معهم عرونة للهيكل الإسلامي السامي . والمقطع الثاني يضمن تحديداً وتجديداً للعلاقات النهائية بين المسلمين وأهل