الشيخ محمد الصادقي
13
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
وترى كيف يؤمر المؤمنون أن يتقوا اللَّه حق تقاته وهو غير مستطاع لأحد أو مستحيل على كل أحد حتى اوّل العابدين محمد صلى الله عليه وآله فضلًا عمن دونه من المؤمنين ؟ . فهل إنها منسوخة بآية الاستطاعة « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » « 1 » ؟ و « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 2 » و « إِلَّا ما آتاها » « 3 » ! فكيف يكلفهم بغير ما يستطيعون ، وما لم يؤتهم من الطاقة حتى يتقوا « حَقَّ تُقاتِهِ » ؟ . فرواية النسخ « 4 » منسوخة - لأن فيها نسخاً للمحال بالممكن - أو مأولة بمعنى التخصيص ، أنها خصت بآية الاستطاعة بقدر المستطاع فحق تقاته من الرعيل الأعلى ، غير المستطاع ممن دونهم ، أنه لا يكلف به من لا يستطيعه ، فل « حَقَّ تُقاتِهِ » درجات ، لا يكلف منها أحد إلا قدر استطاعته ، فقد تحلِّق « حَقَّ تُقاتِهِ » على كل مدارج « تُقاتِهِ » حسب المستطاع ، و « مَا اسْتَطَعْتُمْ » بيان ل « حَقَّ تُقاتِهِ » أنه ليس الحق الأول للسابقين في « تُقاتِهِ » فأين النسخ أو التخصيص اللهم إلّا التفسير والتوضيح . ذلك ، فل « حَقَّ تُقاتِهِ » درجة مستحيلة على الكل وهي كما يحق لساحته تعالى ، وأخرى مستطاعة للرعيل الأعلى غير مستطاعة لمن دونهم ، وثالثة مستطاعة لمن دونهم ، ولا تعني « حَقَّ تُقاتِهِ » إلا الأخيرين كلًّا في درجته حسب المستطاع . فلا يعني « حَقَّ تُقاتِهِ » إلا الحق المطلوب منهم ، المستطاع لهم ، كلٌّ على قَدَره وقدْرِه ، فكما الإيمان درجات كذلك تقوى الإيمان درجات من أعلاها كما لأول العابدين إلى أدناها كما لآخر العابدين وبينهما عوان من المتقين . وعلَّ الخطاب هنا في أعلاه موجه إلى المعصومين عليهم السلام كما في « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ » « 5 » .
--> ( 1 ) . 64 : 16 ( 2 ) . 3 ، : 286 ( 3 ) . 65 : 7 ( 4 ) الدر المنثور 2 : 59 - اخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم فقاموا حتىوردت عراقيبهم وتقرحت جباهم فأنزل اللَّه تخفيفاً على المسلمين ، « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وفيه عن ابن عباس قال : لم تنسخ ولكن حق تقاته ان يجاهدوا في اللَّه حق جهاده ولا تأخذهم في اللَّه لومة لائم ويقوموا للَّهبالقسط ولو على أنفسهم وآباءهم وأمهاتهم ( 5 ) . 22 : 78