الشيخ محمد الصادقي

118

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

لها المبادئ الكلية والضوابط الشاملة فيما يتطور فيها ويتحوَّر بتغير الزمان والمكان ، وكذلك الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان وتَحوُّرهما . فقد أعلن « يوم الغدير » بواسطة ذلك البشير النذير إكمال الدين بكل أصوله وفروعه ، وسر استمراره ، ومستسر قوته وقراره . إذاً فالمخاطبون ب « لَكُمْ دِينَكُمْ . . » هم كل المكلفين في الطول التاريخي والعرض الجغرافي منذ بزوغ الإسلام إلى يوم الدين . وهكذا « أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » في إكمال دينكم ، النعمة الخاصة الربانية الرحيمية التي قضيتها إرسال الرسل وإنزال الكتب ، فقد أتممت تلك النعمة الناعمة القائمة بأسرها ، فلم تبق عندي نعمة بالإمكان إنزالها على المكلفين إلّا وقد أنزلتها في هذه الشرعة من الدين التي هي الدين كله بكماله وتمامه . إذاً فماذا بعد إكمال الدين - فيما يحاوله مختلقوا شرعة بعده - إلا انتقاص ، وماذا بعد إتمام النعمة إلا نقمة وإفلاس . أجل ، ولكنه لا يدرك حقيقة نعمة اللَّه في هذا الدين ولا يقدر قدرها إلا من يعرف الجاهلية ويذوق وبالها وويلاتها ، ثم ومن يعرف شرايع الدين قبله بتحرُّفاتها عن جهات أشراعها ، وأنها في نفس الوقت وقتية مؤقتة ، وكأنها - أو أنها - تقدِمات وتعبيدات طريق لهذه الشرعة الأخيرة . فلقد أنشأ الإسلام من البشرية أمة تطل من القمة السامقة على كافة المكلفين كلهم في السفح ، في كل جانب من جوانب الحياة . ذلك الدين المتين - بكل أعباءه وقضاياه - هو الذي رضيه اللَّه لنا ديناً ، مما يُحرضنا على الإستقامة قدر جهدنا لإقامته ، وإلا فما أنكدو ما أحمق من يُهمل أو يرفض ما رضيه اللَّه له ليختار لنفسه غير ما اختاره اللَّه ، أو يغير معالمه الأصيلة إلى طقوس وأذكار خاوية ، وتلك - إذاً - جرعأة نكدة ليست لتذهب دون جزاء .