الشيخ محمد الصادقي

325

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

التفكر آفاقيا وانفسيّا « أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ » ( 30 : 8 ) . فقضية تكوينهم ان يفكروا كيف كوِّنوا ومن كوَّنهم ولماذا ؟ وان يتفكروا في أنفسهم - دون اقتصار على ظاهرٍ من الحياة الدنيا - يتفكروا أنه « ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » : بسبب الحق وغايته ومصلحته ومصاحبته ، وإلّاب « أَجَلٍ مُسَمًّى » حيث الكون بنفسه دليل على ضرورة نهايته كما يدل على بداية الفقر الذاتي فيه ، « وَ » لكن « إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ » وهم النسناس منهم « بِلِقاءِ رَبِّهِمْ » في ربوبية الجزاء يوم الآخرة « لَكافِرُونَ » كفراً عامداً ، أم تجاهلًا وتغافلًا . ويكأنهم منفصلون عن نفوسهم الإنسانية إذا انقطعت عن أنفسها وانجذبت إلى ظاهر من الحياة الدنيا ، فلا تسمح لهم أن يبصروا بها حتى يتبصّروا وإنما يبصرون إليها فيعمهون كل عاقل ذي نفس إنسانية لمّا يسبر أغوار نفسه وهويرى خلق الكون ، لا بد وأن يرى له غاية مقصودة ترجع إلى الكون نفسه وأنفس نفيسه وهو الإنسان ، فلو لم تكن حياة أخرى بعد الدنيا لكان الخلق لغواً ، أم لغاية جاهلة قاحلة هي الحياة الدنيا ! فكيف إذاً هم يعلمون ظاهراً دون كل ظواهرها ، ظاهراً من حيونة الحياة ضئيلًا زهيداً قليلًا هزيلًا ، متبهّجين بها ، مخلدين إليها ، متمتعين بها ، مستزيدين متزايدين بشهواتها وزهواتها ، ملتهين بلهواتها ، كأنها هي الحياة لا سواها « وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » . « هُمْ » الثانية هنا تأكيد أنهم لا سواهم غافلون عن الآخرة ، حيث العالم بكل ظواهرها ، والعالم بباطن لها أم كل باطن لها ، لا بد وأن يذكر الآخرة المتلمعة منها . ولأن الغفلة ليست إلَّاعن أمر حاصل ، فلا بد أن العلم بالدنيا كما يحق يضم العلم بحق الأخرى ، فالحياة الآخرة علماً بها وتحقيقاً لها هي من محاصيل الحياة الدنيا ، حيث النظر الصائب إليها يذكِّر الناظر الحياة الأخرى ، والعملُ الصالح فيها يحضِّر حياة الحيوان في