الشيخ محمد الصادقي
272
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
من متشابهات القرآن مجىء اللَّه يوم الآخرة ؟ « كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا » ( 89 : 22 ) . الدَّكداك رمل ليِّنة ، فالأرض تدك دكاً أولًا : فرملًا لينة ، ثم دكاً ثانياً : فتراباً أملساً ، تحملها وجبالها القدرة الإلهية في الواقعة : « وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ » ( 69 : 15 ) تدك ثم تسطح ف « لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً » . « وَجاءَ رَبُّكَ » : بمحيء الرب : ( ربك ) لا مجيء اللَّه ، فذاته المقدسة لا تجيء ولا تذهب ، لا في المكان فليس له مكان ، ولا في الزمان ، ولا انتقال الفكر والقدرة والعمل ، إذ هو محيط بكل زمان ومكان ، وهو مع كل إنس وحجان وساير الخلق أيا كان . إن مجيء الرب يختلف عن مجيء الملائكة ، اختلاف الرب عن الملائكة ، فهم يأتون بأجنحتهم إلى موقف العرض والحساب ، والرب يأتي بأمره للجزاء بالحساب . إنها آية متشابهة إلى محكماتها ك : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ( 42 : 11 ) « أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » ( 20 : 110 ) : ما تصرح أن لا انتقال له مكاناً ولا زماناً ولا حيطة ولا علماً ولا قدرة ، فإنها من صفات المخلوقين . ثم هي تفسَّر بنفسها لمن هو أعمق في النظر ، وعلى حد قول الإمام الرضا عليه السلام : « المتشابه ما اشتبه علمه على جاهله » وأما عالمه فلا يشتبه : فإن الفعل - أيّ فعل - من أقرب القرائن للمعني من فاعله ، كما الفاعل - أي فاعل - قرينة على المعني منه ، وإذا نسب إلى ما لا يطير أو يمشى قطعاً للمسافات ، فالمعني كما يناسبه ، ك ( جاءت فكرة صديقي أليَّ وذهبت فكرتى إليه ) : فهذا انتقال غير مكاني ، وفيما إذا نسب إلى المجرد عن هذا وذاك ، لتجرد ذاته ، وعدم انتقال - أو تكامل - صفاته ، إذا يجرَّد بحيثه عما يناسب المخلوقين إلى ما يناسب ساحة الربوبية ، كمجيء أمره بالحساب والجزاء ، فلقد كان هذا الأمر شأنياً موعوداً يوم الدنيا ، ثم يتحقق يوم الجزاء ، كما كان رباً يوم الدنيا ، إلا أن