الشيخ محمد الصادقي
234
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
إليها ، وكما تصدقه سائر الجنود من الطير الأبابيل التي رمت أصحاب الفيل ، ومن القمل والجراد والضفادع التي قضت على آل فرعون ، وأمثال هذه وتلك مما لا يحسب لها حساب في كيانها ، وإنما تتغلب بحساب اللَّه لكي يدركوا جانباً من القدرة الإلهية ومن ضعفهم وِجاهها . « كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » : يضل الكافر المعاند بما يهدي به المؤمن المحايد ، دون فرق في الحجة بين الفريقين إلا بما يسعى : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » : ضلالًا ثانياً ناتجاً عن ضلال كثيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » : ضلالًا ثانياً ناتجاً عن ضلال أول : « فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » ( 61 : 5 ) كما الهداية الثانية ناتجة عن هداية أولى وايمان : « إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً » ( 18 : 13 ) فقد كشف اللَّه لعباده عن طريقي الهدى والضلال ونجديها كالشمس في رايعة النهار « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » فحدد لنا نهوجاً نسلكها فنهتدي بها ، وأخرى ننحرف إليها فنضل ونشقى ، اختياراً دون اجبار : « فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » دون تسيير على الشكر أو الكفران ، إلا أنه تعالى فطر الناس على طلب الهدى ، فمن فسق عن فطرته التي فطره اللَّه عليها ضلَّ ، ومن تبناها في الحياة ، مستوحياً في استقامتها وحي السماء فقد نجى وزاده اللَّه هدى . إن الذين في قلوبهم مرض لم يكونوا ليعقلوا أن هذا العدد تعبير عن واقع الزبانية ، إذ حسبوه مثلا ، ثم اعترضوا عليه كمثل « كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » من شاء الهداية وتحراها هداه اللَّه ، هداية ثانية بالاختيار « وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . « وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » فإنها غيب كلها في كيانها ، وفي عَددها وعُددها ، إلا ما كشف اللَّه لنا عنها ، سواه أكانت جنود إنسية أو جنية أو ملكية أم سواها ، من حيوان وسواه ، فلا يعلمها إلا هو ، إلا ما كشف لنا عنها كما كشف عن عدد جنود سقر ، الزبانية التسعة عشر ، عن عَددهم دون عُددهم فما عرَّفناه وآمنّا ، وما جهلناه سكتنا عنه وآمنا ، كسائر الجنود