الشيخ محمد الصادقي
218
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ثم لا يُعنى من القوى ما تعنيه الفلسفة في صلاحاتها ، أنها قبال الفعليات ، وإنما هي القدرات ، ولام الاستغراق الداخلة على المجمع « الْقُوى » تجلها تستغرق كافة القدرآت الإلهية ، غير المحدودة ، إنها شديدة متينة وليست ضعيفة وهينة ، ومن شدتها لا محدوديتها ، ومنها أزليتها وأبديتها ، ومنها وحدتها في حين كثرتها ، وكثرتها على وحدتها ، فاللَّه تعالى علّم هذا الرسول صلى الله عليه وآله وحيه بكل القوى ، فما أبقى ما يمكن وحيه إلا أوحى ، علّمه ما لم يعلِّمه أحداً من العالمين ، من الملائكة والجنة والناس أجمعين ، وما لن يعلمَّه أحداً من العالمين ، فإنه خاتمة الوحي ، الذي بالامكان تعليمه لأفضل الخلق أجمعين . ففي وحي القرآن من الشدة والقوة الربانية ما ليس في غيره من وحي ، فالقرآن النازل من شديد القوى ، إنه شديد في كافة القوى ، مشدود بالقدرات الربانية كلها ، متحلل عن كلِّ وهم ووهن ، عزيز بعزة اللَّه ، ومجيد بمجد اللَّه : « وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ » - « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ » . فنجم القرآن الهاوي على قلب الرسول صلى الله عليه وآله الهادي الحاوي ما يمكن هديه من سماء الوحي ، إنه فقط وبطلائعه ، دليل أنه كتاب اللَّه ، وان حامله النجم المحمدي رسول اللَّه « ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » « ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 53 : 7 ) . المرير والممر : المفتول ، وذو مرة هو محكم الفتل . وصيغته الأخرى « ذِي قُوَّةٍ » ولكن المرة مضمّن فيها المرور ، فهل إنه من أوصاف شديد القوى المعلِّم ، أو صاحبكم المتعلم ؟ . ان شديد القوى ، ولو كان جبريلًا ، لا يصح توصيفه مرة ثانية ودون فصل لمثل وصفه ، أو نازلًا عن وصفه : « شَدِيدُ الْقُوى . ذِي قُوَّةٍ » ولكنه هو اللَّه ، لا يوصف بمحكم الفتل ، الموحي المسبق ، ولا أن له فتلًا ، ولا أنه يمر ولا أنه يستوي ، لا في ذاته ولا مكانته . فليكن « ذُو مِرَّةٍ » هو « صاحِبُكُمْ » رغم الفصل بين الصفة والموصوف ، حيث الفصل هنا هو بقول فصل يذود عنه وصمات ، ثم يزوِّده بخالص من نسمات وحيه من معلمه شديد القوى ، ثم يبدء بأوصاف له وحالات تخلق له جوّ وحي المعراج ، بعد مقام « قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ