الشيخ محمد الصادقي

199

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

استضعفوه وعظهم وندّد بهم : « إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ . . » حتى كادوا ليقتلوه ، وقتل الداعية قد يسمح له في سبيل الدعوة إن أثر في تحقيقها أم في مزيد الحجة وإنارة المحجة ، ولكن بني إسرائيل المعروفين بقتل النبيين لم يكونوا ليتأثروا بقتل هارون إلَّاحظوه لهم في خطوتهم الخاطئة هذه ، إزالة لمن يصدهم عنها ، وتقليلًا لساعد الداعية ومساعده ، فتعريض هارون نفسه للقتل - إذاً - لم يكن إلَّاتعريضاً للرسالة التوراتية إلى الخمول بفقد وزيرها الحزير العزيز ودونما فائدة وعائدة إلا لعمق الضلال وحمقه لهؤلاء الأنكاد الأوغاد . ترى ولماذا لم يلق الألواح في الطور إذ قال له ربه « وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » ولم يغضب غضبه إلا هناك بعدما رجع إلى قومه ؟ لأنه لم يقع هناك موقع العيان وللرؤية فضل على الخبر « 1 » ثم وإلقاءه الألواح وأخذه برأس أخيه هما ظاهرتان دعائيتان أمام القوم فلم يكن لهما موقع في الطور إلّاباطن الغضب . وفيما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله « رحم اللَّه أخي موسى عليه السلام ليس المخبر كالمعاين ، لقد أخبره اللَّه بفتنة قومه وقد علم أن ما أخبره ربه حق وأنه على ذلك متمسك بما في يديه فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وألقى الألواح . « 2 »

--> ( 1 ) . المصدر عن المجمع روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال : . . وفي الدر المنثور 3 : 127 عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وآله يرحم اللَّه موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعيانهم ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر ، أقول : مثل هذا الإلقاء إلغاء لكتاب اللَّه فلا يصدَّق على رسول اللَّه ، فإما ألقى الألواح بكل حرمة ورعاية تدليلًا على أنهم ألغوها في غيابه برأس الزاوية التوحيدية فيها . وفي المصدر في بصائر الدرجات عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال : دخل رجل من أهل بلخ عليه فقال له : يا خوزستاني تعرف وادي كذا وكذا ؟ قال : نعم قال : من ذلك الصدع يخرج الدجال ، قال ثم دخل عليه رجل من أهل اليمن فقال : يا يماني تعرف شعب كذا وكذا ؟ قال : نعم . قال له : تعرف شجرة في الشعب من صفتها كذا وكذا ؟ قال : نعم قال له تعرف صخرة تحت الشجرة ؟ قال : نعم قال : تلك الصخرة التي حفظت ألواح موسى على محمد صلى الله عليه وآله ، وفي آخر عنه عليه السلام قال لي أبو جعفر يا أبا الفضل تلك الصخرة فلما بعث اللَّه رسوله صلى الله عليه وآله أدته إليه وهي عندنا . أقول : ألم تكن تلك التي تحمل شرعة توراتية ، فكيف ظلت في الصخرة فما أدته إلى موسى ولا المسيح عليهما السلام وهي تحمل شرعتهما ، ثم أدتها إلى محمد صلى الله عليه وآله ولا تحمل شرعته ؟ ! ( 2 ) . نور الثقلين 2 : 74 في كتاب كمال الدين وتمام النعمة باسناده إلى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وآله حديث طويل يقول فيه لعلى عليه السلام : . . . وفيه عن روضة الكافي خطبة لعلي عليه السلام وهي الخطبة الطالوتية وفي آخرها : ثم خرج من المسجد فمر بصبرة فيها نحو من ثلاثين شاة فقال : واللَّه لو أن رجالًا ينصحون للَّه‌عزَّوجلّ ولرسوله بعدد هذه الأشياء لأزالت ابن آكلة الذبان - جمع ذباب - عن ملكه فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلًا على الموت ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين وحلق أمير المؤمنين عليه السلام فما وافي القوم محلقاً إلا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وجاء سلمان في آخر القوم فرفع يده إلى السماء فقال : إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون عليه السلام ، وفيه عن الإحتجاج في رواية سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي حديث طويل وفيه قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر وأصحابه : « أما واللَّه لو أن أولئك الأربعين الرجل الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتك في اللَّه حق جهاده ، أما واللَّه لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القايمة ثم نادى قبل أن يبايع : يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » . وفيه باسناده إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال : لما حج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من المدينة وبلغ من حج مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألفاً الذين أخذ عليهم بيعة هارون عليه السلام فنكثوا واتبعوا العجل والسامري سنة بسنة ومثلًا بمثل . . . وفيه عن العلل باسناده إلى ابن مسعود قال : احتجوا في مسجد الكوفة فقالوا : ما لأمير المؤمنين عليه السلام لم ينازع الثلاثة كما نازع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ؟ فبلغ ذلك علياً عليه السلام فأمر أن ينادى الصلاة جامعة فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد اللَّه واثنى عليه ثم قال : معاشر الناس انه بلغني عنكم كذا وكذا ؟ قالوا : صدق أمير المؤمنين عليه السلام قد قلنا ذلك ، قال : إن لي بسنة الأنبياء أسوة فيما فعلت ، قال اللَّه تعالى في محكم كتابه « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » قالوا : ومن هم يا أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قال : أولهم إبراهيم عليه السلام - إلى أن قال - : ولي بأخي هارون عليه السلام أسوة إذ قال لأخيه : « يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » فان قلتم : لم يستضعفوه ولم يشرفوا على قتله فقد كفرتم ، وان قلتم استضعفوه وأشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم فالوصي أعذر