الشيخ محمد الصادقي

181

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فلمَّا يسأل هو الرؤية ولا تأخذه الصاعقة ثم لا يسفَّه ولا ينسب إلى الظلم ، فقد يتبين من ذلك أن السؤال إن كان الرؤية البصرية فهو عليه السلام محمَّل عليه منهم فيسألها ربه بعد إذنه تعالى إتماماً للحجة وإنارة للمحجة . والقول إن : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » دون « أرهم ينظروا إليك » يرد ذلك التحميل ، بأنه جائز على هامش قصده الأصيل من الرؤية القمة ، وأنه جمع في ذلك السؤال بين أمرين ثانيهما ما تطلبوه ولكنه خص نفسه ليظهر لهم أن استحالة رؤيتهم أحرى بعد استحالة رؤيته ، فقد قدم نفسه فيما حمِّل تثبيتاً للسلبية الأخرى لهم في حقل الرؤية البصرية ، والقول بأنه كان عليه - إذاً - كرسول أن يوضِّح لهم بطلان سؤالهم ؟ مردود بأنه أبطله طول رسالته وهنا القصد إلى إبطاله عملياً حين تبطل رؤيته هو ربَّه على محتده الرسالي ! . ثم الأظهر الأخفى أن من الرؤية المسؤولة هي قمة المعرفة الممكنة باللَّه ، اللائقة لأول العارفين والعابدين محمد صلى الله عليه وآله حيث إن تجلّيه تعالى « لِلْجَبَلِ » لا « في الجبل » دليل تجلى القدرة الربانية التي لا يتحملها الجبل إلّاأن يندك ، ولا بد للمثال أن يشابه الممثل في أهم مواضعه ، وهو هنا لو كانت الرؤية البصرية للَّه ، لكان تجليه تعالى نفسه في الجبل دون « تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ » . ثم ما هي الصلة بين إمكانية رؤيته تعالى للموسى وبين أن يستقر الجبل مكانه في ذلك التجلي ، إلَّاأن يكون الجبل في ذلك التجلي مثالًا لموسى عليه السلام أنه لا يستطيع التجلي المعرفي القمة للَّه‌ما دام هو موسى الذي لم يبلغ مبلغ أول العارفين إلَّاأن يموت في ذلك التجلِّي ، ثم لا يفيده الموت أيضاً أن يتجلى له ربه في الحالة التجردية البرزخية ، فإنما ذلك مخصوص بأول العارفين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله حين « دَنا فَتَدَلَّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى » ( 53 : 12 ) ولو لم يكن مكلفاً باستمرارية هذه الرسالة التي تتطلب مواجهة الخلق لم يخرج عن هذه الحالة التجردية المعروفة القمة ، خارقة لكافة الحجب الظلمانية والنورانية بينه وبين اللَّه ، حتى حجاب نفسه ،