الشيخ محمد الصادقي

88

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فكانوا يزعمونهم أهدى ، لأن نسبة الملائكة والجن إلى اللَّه أقرب منها إلى عزيز والمسيح . فلما جاءهم الرسول الأقدس محمد صلى الله عليه وآله قائلًا : ملة أبيكم إبراهيم ، ان دينه دين إبراهيم ، حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين . . قالوا : ونحن على دين إبراهيم فما هي الحاجة إلى دين محمد . . ثم راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وآله ويحتالون عليه طريقة وسطى . . وعرضوا عليه ما عرضوه فاعترضتهم قوارع الآيات أن لا طريقة وسطى ، فإما التوحيد واما الاشراك . فعلَّهم ما كروه فيهذا العرض الكافر ، وعلَّهم زعموا قرب المسافة ، فبامكانهم التفاهم عليها : بقسمة البلد بلدين والالتقاء في منتصف الطريق . . الا أن مكرهم أظهر ، فلو كانوا جاهلين غير عامدين لم يكن القرآن يحسم الخلاف بترك الدعوة بعدئذ : لا نحن إليكم ولا أنتم الينا « لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ » انهم ماكروه : أردوا أن يخرجوه عن التوحيد وهم باقون على الشرك ، فيخسروَهم رابحون ، وهكذا محاولة الشياطين في خطواتهم تجاه المؤمنين ، انهم يجنِّدون كافة طاقاتهم ، ويعملون كل دعاياتهم ليضلوا المؤمنين ، كما هم ضالون ، دون أن يهتدوا ولا قيد شعرة : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ » ( 29 : 12 - / 13 ) . أجل ، وان هناك : بين المؤمنين وهكذا كافرين ، ان بينهم انفصالًا لا يرجى معه أي اتصال ، فلا التقاء اذن بينهما في طريق . . فهنا آخر المطاف في الدعوة ثم لا دعوة إذ لا رجاء . لابد للدعاة إلى اللَّه أن يصرفوا طاقاتهم لاثبات الحجة ولكي يدلوا ويهدوا الضالين إلى الله ، وأما أن يتاجروا بايمانهم أيضاً ، زعم أن الكافرين الماكرين علَّهم يهتدون . . أما إذا وصلت الدعوة إلى خساره الدعوة والداعي هكذا فلا . . وانما كلمة واحدة آخر المطاف : « لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ » أنا هنا وأنتم هناك ، فلا معبَر ولا جسر عليه يُعبر ، وما أحوج الداعين إلى الاسلام اليوم إلى هذا الموقف الحاسم والبراءة التامة عما ينافي الاسلام ، وانه ليس هناك أنصاف حلول ، ولا التقاء في منتصف الطريق ، ولا اصلاح عيوب ، ولا ترقيع مناهج ، انما هي الدعوة إلى الاسلام كما بدأت بالصادع الأول .