الشيخ محمد الصادقي
355
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
سوف يخلقه ، فإنه عالم إذ لا معلوم وخالق إذ لا مخلوق ، وقادر إذ لا مقدور ، بمعنى انه تعالى لا تحدث له سلطة بعد ما لم تكن ، وانما تظهر سلطته على ما يحدث بعد كامنها في علمه وحياته وقدرته ، حيث الصفات الفعلية كلها منشَآت من الصفات الذاتية . ولأن الخلق والتقدير هما مخلوقان ، فالحيطة العلمية والقيومية عليهما أيضاً مخلوقتان ، اذاً فالعرش كسائر الخلق خلق من خلق اللَّه في كيانه الفعلي ، كما أنه من صفاته الذاتية في كيانه الشأني « 1 » ، فقد يصح القول انه لم يكن لله عرش ولا كرسي قبل أن يخلق خلقاً ، إذ « كانو لم
--> ( 1 ) - / في التوحيد باسناده عن سلمان الفارسي فيما أجاب به علي عليه السلام الجاثليق فقال علي عليه السلام : « ان الملائكة تحملالعرش وليس العرش كما تظن كهيئة السرير ولكنه شئ محدود مخلوق مدبّر وربك حامله لا أنه عليه ككون الشئ على الشئ . . . » أقول : لأن الخلق والتدبير محدودان فالعرش الذي فيه أزمة أمور الخلق محدود بنفس الحدود ، ولكن صفاتالذاتية كذاته غير محدودة . وفي الكافي عن البرقي رفعه قال : سأل الجاثليق علياً عليه السلام فقال : أخبرني عن اللَّه عزَّوجلّ يحمل العرش أو العرش يحمله ؟ فقال عليه السلام : اللَّه عزَّوجلّ حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وذلك قول اللَّه عزَّوجلّ : ان اللَّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده انه كان حليماً غفوراً قال : فأخبرني عن قوله : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ، فكيف ذاك وقلت : انه يحمل العرش والسماوات والأرض ؟ فقال أمير المؤمنين 7 : ان العرش خلقه اللَّه تبارك وتعالى من أنوار أربعة : نور أحمر منه احمرت الحمرة ونور أخضر أخضرت منه الخضرة ونور أصفر أصفرت منه الصفرة ونور أبيض ابيض منه البياض ، وهو العلم الذي حمّله اللَّه الحملة وذلك نور من نور عظمته فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه اليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتشتتة ، فكل شىءٍ محمول يحمله اللَّه بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، فكل شىءٍ محمول ، والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا والمحيط بهما من شئ وهو حياة كل شئ ونور كل شئ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً - . قال : فأخبرني عن اللَّه أين هو ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : هو ههنا وههنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا ، وهو قوله : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا » فالكرسى محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وان تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى وذلك قوله : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ » فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم اللَّه علمه وليس يخرج من هذه الأربعة شىءٌ خلقه اللَّه في ملكوته وهو الملكوت الذي أراهأصفياءه وأراه خليله فقال : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » وكيف يحمل حملة العرش اللَّه وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته . . . أقول : للاطلاع على مضامين الحديث الغامضة راجع تفسير آية الكرسي . وهنا أحاديث أُخرى سردناها عندها وأهمها حديث حنان من سدير فراجع .