الشيخ محمد الصادقي
33
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
في اللَّه وتوحده في كافة الربوبيات . وهذا هو مفرق الطريق بين نظام الربوبية وفوضاها ، تزيل كل شائبة وكل غَبْش وهاجسة عن توحيد الله ، هذه التي تعزل الرب عن الحياة وتصرفاتها ، انقساماً في الألوهية بين الذات والصفات والأفعال . ف « رب العالمين » هو مالكهم وخالقهم وسائق ارزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، فالرزق معلوم مقسوم وهو يأتي ابن آدم على أي سيرة سارها من الدنيا ، ليس تقوى متق بزائده ولا فجور فاجر بناقصة ، وبينه وبينه ستر وهو طالبه . . ) « 1 » . والعالمين هم الخلق أجمعين ، وهو جمع العالم من العَلم العلامة ، أو من العِلم المعرفة ، وكل العالم علامة للخالق وآية ، وكل العالم يعلم ربه ويسبح بحمده وجمعه السالم سليم عن الشذوذ ، ففيما يعنى الخلائق أجمعين هو ترجيح لجانب العقلاء بينهم برزخاً وسطاً من الحقيقة والمجاز ، أم هو حقيقة تحتاج إلى قرينة كما هنا وفى سائر ال ( 73 ) موضعاً من الذكر الحكيم ، اللّهم الّا فيما يخص ذوى العقول ، كذكرى القرآن : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ » ( 6 : 90 ) والرسول : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » ( 12 : 104 ) ورحمة الرسالة : « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » ( 41 : 107 ) ونذارتها « لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً » ( 25 : 1 ) . حيث القرآن ، والرسول برسالته ونذارته يخصّان العقلاء المكلفين دون سائر العالمين ، ولان الملائكة غير مكلفين برسالة القرآن ، ككلٍّ ، ومنهم الرسل إلى الرسول صلى الله عليه وآله وليست لهم شهوة النفس حتى يسمى تكليفهم تكليفاً ، ولم يرد في القرآن ، ولا لمحة انهم مكلفون بالقرآن ، وان أقل الجمع ثلاثة ، فليكن بعد عالم الإنس والجن ثالث لأقل تقدير أم يزيد لكي يعنيهم « العالمين » وقد تلمح لهم آية الشورى : « وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ » حيث الدابَّة العاقلة في السماوات الراجع إليها « هم » فيمن هو راجع اليه ، ليست هم الملائكة ، فهم اذاً ثالث من العالمين أم ويزيد . لا تجد في ساير القرآن « عالماً » الّا « العالمين » جمعاً للخلائق أجمعين ، أم خاصاً بالمكلفين ،
--> ( 1 ) - / تفسير الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن الإمام علي عليه السلام