الشيخ محمد الصادقي

321

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

سبحانه فعلٌ منه أنشاه ، ومثلُه لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان آلهاً ثانياً - / لا يقال : كان بعد أن لم يكن فتجرى عليه الصفات المحدَثات ، ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل ، فيستوى الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدِع والبديع - / خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد ، من خلقه . . . خضعت الأشياء له ، وذلت مستكينة لعظمتة ، لا تستطيع الهَرَب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ، ولا كُفءَ له فيكافئَه ، ولا نظير له فيساويَه ، هو المغنى لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من انشاءها واختراعها ، وكيف ولو اجتمع جميع حَيَوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من فراخها وسائِمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتلبِّدة أممها وأكياسها على احداث بعَوضة ما قدرت على احداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى ايجادها ، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنها مقهورة ، مقرة بالعجز عن انشاءها مذعنة بالضعف عن افناءها - / وان اللَّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شىءَ معه كما كان قبل ابتداءها ، كذلك يكون بعد فناءها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان ، عُدِمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شئ الَّا اللَّه الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الأمور ، بلا قدرة منها كان ابتداءُ خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناءُها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاءها ، لم يتكأده صنع شىءٍ منها إذ صنعه ، ولم يَؤده منها خلق ما برأه وخلقه ، ولم يكوِّنها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على نِدّ مكاثر ، ولا للاقرار بها من ضدّ مُثاوِر ، ولا للازدياد بها في مُلكه ، ولا لمكاثرة شريك في شِركه ، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها ، ثم هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسَأَم دَخَل عليه في تصريفها ، وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة اليه ، ولا لثقلِ شىءٍ منها عليه ، ولا يُملُّه طول بقاءها فيدعوه إلى سرعة افناءها ، لكنه سبحانه دبَّرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشىءٍ عليها ، ولا لانصرافٍ من