الشيخ محمد الصادقي

239

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الامكان من الأفول ، وحصة الأوساط عناية مطلق الحركة الدالة على الامكان والحدوث ، وحصة العوام هو - / فقط - / الأفول الغروب . ولا يرد على عامة « الأفول » أن اللَّه الذي يُستدل لكونه وتوحيده بأفول الكائنات هو أيضاً آفل : « غائب » لا يرجى حضوره ، حيث البون بيّن في هذا البين ، فآفل الخلق هو ذاتي الأفول حتى عن نفسه ، وهو متحول في أفوله ، وليس أفوله الَّا من ذاته . ولكن اللَّه سبحانه ليس آفلًا بأىٍّ من هذه وسواها من أبعاد الأفول ، فهو ظاهر لذاته وظاهر لخلقه بآياته ، وما غيابه عن الخلق في كنهه الَّا لقصورهم دونه ، فغيب الذات له سبحانه - / خلافَ أفول غيره - / دليل ألوهيته ، وظهور ذوات الممكنات كأفولها هما دليل مألوهيتها . فالأفول بعد الظهور كما الظهور بعد الأفول هما دليل الحدوث قضية الحركة التي هي أبرز ملامح الحدوث ، وأما الغائب في ذاته الظاهر بآياته فليس آفلًا بل هو الظاهر الباطن والباطن الظاهر « يامن هو اختفى لفرط نوره . الظاهر الباطن في ظهوره » . ذلك إضافة إلى محدوديتها الحاكمة كبرهان ثانٍ على أفولها ، ولا ينبئك مثل خبير . وهذه الحجة الإبراهيمية تستأصل الربوبية أصلية وفرعية عن كافة الكائنات المخلوقة ، فلا تحويل لشأن من شؤون الربوبية إليها ولا تخويل ، ولا لعباد اللَّه المخلَصين إذ لا ولاية لهم تكوينية ولا تشريعية ، بل هي - / فقط - / ولاية شرعية بإذن الله ، فلا تأثير لهم في الكون الَّا بأمر اللَّه ومشيئته . وهذه من أنجح الحوار مع الناكرين أن يتبنى ما يعتقدونه حجر الأساس في الحوار ثم يقضى عليه بما ينقصه ، ومن ثم حوار يتبنى ما يعتقده الطرفان ، ثم حوار يتبنى فقط ما تعتقده أنت المحاور ، فالثالثة ساقطة على أية حال ، والأولى ناجحة على أية حال ، والوسطى عوان بينهما . ذلك لأنه ليس نجاح الحوار - / فقط - / في قوّتها ، بل وقبلها في الحصول على جو الاستماع لها والاصغاء إليها ، فالخطوة الأولى في ناجح الحوار محاولة المحاور لكامل اصغاء محاوره