الشيخ محمد الصادقي

187

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الحرام ممدوح فيما لك فيه الاختيار كفعل الواجب ، فكما الفعل الممدوح هو المختار كذلك تركه . فهم بكل اراداتهم وأقوالهم وافعالهم يحملون امر اللَّه ومشيئته ، حيث هم أداة مشيئته وولاة امره دونما حاجة منه إليهم . وتراهم - / اذاً - / كيف سبقوه سبحانه في القول « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » وقد جمعوا فيه إلى سبق القول وسؤال الفعل و « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » ؟ علَّه يستثنى من ذلك الاطلاق تفلتاً عما هم عليه ، أم انما قالوا ما قالوه وسألوا ما سألوه بأمره تعالى لكي يكونوا على ضوء جوابه « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » عارفين مدى جهلهم فيزدادوا منه تعلماً ولديه تسليماً ! : « يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » ( 21 : 28 ) فمن « ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ » مستقبلهم وحاضرهم ، ومن « وَما خَلْفَهُمْ » غابرُهم ، أم كل مستقبل وحاضر وغابر مما يعلمون وما لا يعلمون ، فهو يحيط بهم وبمن سواهم علماً « وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » ! ثم « وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى » اللَّه من المشفَّع لهم ، وقد كان فريق من المشركين يعبدونهم قائلين : « هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ » « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » . فتزييفاً لهذه المزعمة الخاطئة يحصر شفاعته لمن ارتضى اللَّه دينه ، دون المشركين بالله ، المتخذين عبادالله المكرمين أبناءه سبحانه ، فغير الموحد لا تناله شفاعتهم لو شفعوا لهم ولن يشفعوا ف « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » و « ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ » . فالموحِّد مرضى عند الله كأصل وضابطة في قبول الشفاعة على شروطها المسرودة في الذكر الحكيم ، دون الملحد والمشرك والمنافق والمكذب بآيات ربه ف « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » ( 4 : 48 ) .