الشيخ محمد الصادقي

155

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

بعد . . . » « 1 » . والإمام الرضا عليه السلام في قوله : « فرق اللَّه بالأشياء بين قبل وبَعد ليُعلم أن لا قبل له ولا بَعد » ، إذ يفسران الزوجين بقبل وبَعد : بُعد ان هما لزام المادة في كيانها الذاتي الأولى ، سواء أكانا زمنيين ، فلكل كائنٍ قبلٌ - / إذ لم يكن - / وبَعدٌ فسوف لا يكون ، والله تعالى قبل القبل أزلياً وبَعد البَعد أبدياً ، أو كانا ماهويين داخل الذات وهما البُعدان فيزيائياً ، أم هندسياً ، بُعدان مكانيان قبل وبعد ، والله تعالى خارج عن المكان وعن الأبعاد أياً كان . وأخيراً ما هي الصلة بين الزوجين هذين وبين تذكر الألوهية وراءَهما والفرار الىمهما ؟ أقول : انه تذكر للغافلين عن الحيطة الربوبية بالأشياء ، ان الفقر والحاجة مندغمان في أصول المادة ، ولنأخذ المادة الأم - / وهى أغنى المواد وأولاها - / مثالًا لهذه الذكرى . هذان الزوجان كما عرفناهما ، كل منهما ليس في ذاته الا ( لا ) لا يملك كوناً ولا كياناً فضلًا عن تكوين زميله ، وكل منهما متوقف في كونه على الآخر كالعكس ، لا توقّف المعلول على علته ، إذ لا تتصور العلية لما ليس له نصيب من الوجود ، ولا المعلولية لما لا يمكن أن يوجد مستقلًا عن زوج ، اذاً فكل منهما بحاجة إلى زميله في امكانية إفاضة الوجود عليه ، فلا تجد هنا وهناك الا فقراً ، فامّا أن يُحرما عن الوجود ، أو يفيض لهما الوجود خلاق الوجود ، أفليست هذه الزوجية في كل شئ ، هي التي دلتنا على الحاجة الذاتية في كل شىءٍ ؟ إلى مَ ؟ كل إلى مثيله ؟ والفقر مع الفقر لا يزداد الا فقراً ! أم إلى غير مثيله ؟ فهو اللَّه تعالى شأنه الذي « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ! « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » : فرار العاقل المتذكر ، من اللاشىء إلى مَن خَلق كلِّ شئ لا من شئ ، من الفقر المحض إلى الغنى المطلقة من الكائنات - / كل الكائنات - / التي هي أزواج ، ولا أقل من زوجين ، إلى الواحد الأحد الفرد الصمد ، ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً ، إلى من بيده ناصية كل شئ . تُرى هل توجد غنىً ذاتية في أىِّ شئ ، والزوجية آية الحاجة في كل شئ سواء أكانت

--> ( 1 ) - / التوحيد للصدوق باسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : بينا أمير المؤمنين يخطب على منبر الكوفة إذ قام‌رجل . . . فقال : يا أمير المؤمنين ! هل رأيت ربك ؟ فقال . . . وهى خطبة توحيدية عظيمة . . ( راجع كتابنا « حوار » في شرح الخطبة ) .