الشيخ محمد الصادقي

136

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فهنالك عصمتان اثنتان ، عصمة ربانية أولى للانسان هي لفطرت اللَّه التي فطر الناس عليها ، وعصمة ربانية ثانية هي للمرسلين ومن يحذون محذاهم من أئمة الدين المعصومين ، وبينهما العصمة الانسانية قدر المساعى المبذولة للحصول عليها ، وهى في مثلث من الأضلاع : الفطرة - / العقل - / الشرع ، فالعقل السليم يأخذ كأصل أوّل من الفطرة السليمة ، ثم يأخذ من شرعة اللَّه كأصل ثان ، فيتكامل قدر معطياته ومساعيه . ثم ضمائر الجمع في « ظهورهم - / ذريتهم - / اشهدهم - / أنفسهم - / ربكم - قالوا » هذه الستة تعنى كل « بني آدم » دونما استثناء . ثم تتضيق الدائرة في « أَنْ تَقُولُوا » حيث تختص بالمشركين والملحدين على مدار الزمن ، لاختصاص هذه القولة بالمنحرفين عن توحيد الله ، اعتذاراً بالغفلة القاصرة . ثم تضيُّق ثان في « أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ » فإنها تختص بقسم من المشركين وهم الذين لهم آباء مشركون فهم أولاء « ذرية من بعدهم » لمقابلة الذرية بالآباء ، فهم ذرية مشركة دون آباء مشركين . « أخذ » تلمح إلى ما أعطاه اللَّه تعالى « بني آدم » والأخذ هو أخذ الميثاق على فِطَرهم بما فطرها على معرفته بتوحيده . وهنا « أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ » دون « أشهدهم أنفسهم » أو « أشهدهم لأنفسهم » شاهد لا مردّ له أن القصد من ذلك هو الاشهاد « على » احتجاجاً بالمشهود به : « الفطرة » على المشهود عليه : « بني آدم » . فالفطرة التوحيدية - / اذاً - / حجة ناظرة حاضرة ربانية في أعمق أعماق الروح ، ليست لتنفصل عن الانسان أيّاً كان ، فهو بين غافل عنها تقصيراً : « أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين » ولا تعذوَه هذه الغفلة المقصرة ، أو ذاكر لها بدرجاته ، فمؤمن بالله . ثم لا نجد من هو غافل عنها قصوراً ، مهما كان قاصراً عن عقلية التكليف أم مجنوناً ، وان كان اللَّه لا يعذب غير المكلفين رحمةً منه . فالفطرة الحاضرة مع الانسان ما هو كائن على أية حال ، هي الحجة العاصمة المعصومة الربانية ، وهى مع العقلية التكليفية تصبحان حجتين داخليتين ، لا يقبل أي عذر بعد هما