الشيخ محمد الصادقي

117

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً » ( 65 : 10 ) « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » ( 36 : 69 ) يذكر الذكر في القرآن بمختلف صيغه وموارده زهاء ( 267 ) مرة مما يبرهن واضحة أن كتاب التدوين الشرعة نسخة كاملة عن كتاب التكوين الفطرة ، مهما بان البون بينهما جملة وتفصيلًا . فلنقرء كتاب الفطرة بإقامة الوجه إليها حنفاء لكي تتسهل لنا قراءه كتاب الشرعة ، نقرء كتاب الفطرة بحنفٍ في بنوده العشرة . ففي إقامة وجه الحس بوجوهه الخمسة ، المفروض اصلاح الحس دون اخلادٍ فيها إلى الأرض واتباع الهوى ، فليعرف بفطرياته السبع أنه في استعمال حواسه أمام محبوب كامل مقتدر عالم منعم منتقم حاضر ، فليكن حاذراً متحضراً في صلاحه على أية حال . وفي إقامة وجه العقل إلى الذين حنيفاً لا بد من مراجعة الفطرة في احكامها ، كيلا يخطأ أو يقصر أو يقصِّر في تعقله ، ولينظر إلى آيات اللَّه آفاقية وانفسية على غرار الفطرة . وفي إقامة وجه القلب إلى الذين حنيفاً لا بد من قطع العلائق العالقة الحالقة الدنيوية لكي تتجلى فيه نور المعرفة ، وهذه الثلاث هي أصول وجوه الانسان ، حيث القلب قلب بين الصدر قبله واللب والفؤاد بعده ، وهذه حالاته ودرجاته . وبذلك نرى ربطاً عريقاً عميقاً بين كتاب الفطرة وكتاب الشرعة وكلا هما من صنع‌وفقاً لناموس الكون . فالاعتراف بالربوبية الوحيدة فطرة غير وهيدة في الكيان الانساني ، أودعها اللَّه تعالى في هذه الكينونة الغالية ، فالرسالات - / اذاً - / ليست الا تذكيرات لها ، وتحذيرات ، فالتوحيد اذاً ميثاق معقود بين فطرت الناس وخالق الناس منذ كينونتهم الأولى ، فلا حجة لهم في نقض ذلك الميثاق وحتى لو لم يبعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، ولكن رحمته تعالى اقتضت ألّا يَكلهم إلى فِطَرهم إذ قد تنحرف حين تحجب ، ولا إلى عقولهم إذ تنجرف حتى إذا لم تحجب ، فتلك معصومة في أصلها ، وهذه ليست معصومة .