الشيخ محمد الصادقي
109
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
والانسان المحب للكمال المطلق اللّامحدود حين يتأكد أنه مستحيل في الكون المادي ، نراه لا يزول حبه ولا يزال محباً كما كان ، وهذا يكشف عن واقع المحبوب وراء عالم المادة دون جدال ولا هوادة . ولأن الكمال المطلق يقتضى كأصول صفاته الذاتية ، الحياةَ السرمدية ، والعلم غير المحدود المطلق عن كل حد وحدود ، والقدرة اللّامحدودة بحدود ، فهذه الثلاث ايضاً محبوبة فطرية لأنها من لزامات الكمال المطلق ، كما أن الحياة السرمدية هي محط العلم والقدرة اللّانهائية . ثم وكل واحدة منها محبوبة فطرية ذاتية ، فلا تجد من الناس أحداً الّا ويحب هذه الثلاث حباً دائباً لا فتور فيه ولا فطور ، ولأنه لا يجدها في هذا الكون المحسوس المحدود ، وهو متأكد أنها مستحيلة الوجود له ولسواه من كائن محدود « 1 » ومع ذلك لا تفتر فطرته في حبّها ذاتية ، فلتكن موجودة لمحبوبه الأول الكامل المطلق اللانهائى وهو اللَّه تعالى شأنه . حبٌّ عريق في الفطرة ، عميق مُنذَ غِم في ذاتها دون فَترة ، أوَلا يكشف عن وجود محبوبه ، ولو أخطات الفطرة في هكذا حب عريق دائب ، فليَعِش الانسان أياً كان حياته كله أخطاءً وأخطاءً ، وليخطأ عقله على طول الخط ، ما دامت فطرته المعصومة عن الخطا خاطئة في هكذا محبوب ، وبأحرى الأخطاء في حواسه وكل ادراكاته ما دامت فطرته وهى الأصيلة في كيانه ، والقاعدة الأصيلة في انسانيته ، هي خاطئة فيما تحبه ذاتية دون تبدُّل ولا تبديل ، ولكن « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . ان العقلاء يرون عقولهم حجة مصيبةً على أخطاءها ، وكذلك حواسهم رغم أخطاءها ، أفلا يرون - / بعد - / أن فِطرهم مصيبة ولا يختلفون فيها ولا يتخلفون عنها ؟ اذاً فدين الفطرة تدين له البشرية عن بكرتها دون خلاف ، وهكذا يكون كتاب الله : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » .
--> ( 1 ) - / وذلك لأن اللامحدود من وجود وكمالاته لا يحل في المحدود من جسم ، وهذا دليل فطري على أنه تعالى مجردعن المادة وخواصها .