الشيخ محمد الصادقي
103
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فلتعرف أولًا من أنت ، هل أنت - / فقط - / هذا البعد الحيواني ، وكما أكثر الناس يظنون ، « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » ( 30 : 7 ) أولئك الذين يستعمرون كافة طاقاتهم المادية والمعنوية للشهوات والحيونات ، إذ ضلوا عن أنفسهم فظلوا عاكفين على حيوناتهم ف « لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً » ( 18 : 27 ) وذلك رأس كل خطيئة . أم أنت الروح الانساني كما هو مكتوب في كتاب الفطرة ، فما الانسان الا عقلًا فاهماً ، وما قيمته الا قدر عقله ، فلتكرِّس كافة طاقاتك مادية ومعنوية في ترقية روحك . ولما وجدت نفسكَ مَن أنت ، تحب نفسك كما أنت ، وذلك الوجدان والحب يدفعانك إلى محبوب مطلق وموجود مطلق ، هو المنطَلق لكل محب وموجود ، وهو اللَّه تعالى شأنه . فمعرفة النفس بالحيوانية فحبها هي الكفر بالله وبغضه ، ولكن معرفتها بالروحانية وحبّها بها هي معرفة اللَّه وحبّه . فمن وجد نفسه كواقع الحق فقد وجد ربه ، ومن ضل عن نفسه فقد ضل عن ربه ، وكلما ازداد الانسان معرفة صالحة بنفسه ازداد معرفة بربه ، فحين يعرف نفسه أنه لا شئ في ذاته ، يعرف اللَّه وانه مصدر كل شئ ، فقرٌ مطلق يتعلق بغنىً مطلقة : « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » - / « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . ثم الوجه من كل شىءٍ ما يواجِه به شيئاً أو يواجَه اليه ، فتخلف وجوهه حسب اختلاف كيان المواجِه والمواجَه اليه . فإذا كان المواجَه اليه من عالم المادة فوجه الانسان الموجَّه اليه هو بُعده المادي ، سواء الوجه المعروف منه كعضو بين الأعضاء ك « اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً » ( 12 : 93 ) أم ظاهر المقاديم من بدنه كما يتجه إلى القبلة « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » ( 3 : 144 ) ، أم البدن كله حيث يواجه حريقاً شاملًا يحرقه ظاهراً وباطناً ، فكما وجه النار هنا هو كلها كذلك وجه الانسان المحترق بالنار هو كله ، ووجه الأرض ككل هو ظاهر الكرة