محمد متولي الشعراوي

6463

تفسير الشعراوى

وقد أتقن داود عليه السّلام صناعة تلك الدّروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه ، فقد صنعها بأمر الحق الأعلى سبحانه حين قال له : وَقَدِّرْ . . ( 11 ) وكلمة قدر تعطى معنى التقدير والإتقان . فعلى الذين يصنعون الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجّه إلى الإتقان في الأداء والعمل ، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في العمل والإبداع فيه ، لنتخذ من هذا التوجيه نبراسا « 1 » نسير عليه ؛ ليكون العمل صالحا ، وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول : « اللّه » ، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يهب الإنسان طاقة الإتقان والإبداع . ويقول الحق سبحانه أيضا في تعليمه لداود عليه السّلام : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ . . ( 80 ) « 2 » [ الأنبياء ] وهكذا يلقى اللّه تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن « افعل كذا » ؛ فيفعل . وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة ، نجد كلّ علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنّحت ، كانت من اختصاص الكهنة الذين يمثّلون السلطة الدينية ، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك العلوم ، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها . وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله ؛ مصدره السماء . وفي قصة نوح عليه السّلام نجد الحق سبحانه يقول :

--> ( 1 ) النبراس : المصباح ، أو الشئ المنير . [ المعجم الوسيط ] بتصرف . ( 2 ) الّلبوس : ما يلبس . والمراد بها هنا : الدروع التي تلبس في الحرب . [ القاموس القويم ] .