محمد متولي الشعراوي

6435

تفسير الشعراوى

الجزء الحادي عشر بقيّة سورة هود لذلك لا يديم اللّه سبحانه غنى أحد أبد الدهر ، بل جعل الدنيا دولا « 1 » بين الناس . إذن : فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السّلام - معنى كلمة الفضل « 2 » لما قالوها ؛ لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن ، في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضى وجود فاضل ومفضول . ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها ؟ إنه بعض من المال أو الجاه ، وكل من يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل ؛ لأن سيادة الطاغية مبنية على عطائهم . فهم أصحاب الفضل ، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري . إذن : فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض ، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة ، ولذلك حين نرى مسيطرا يطغى ، فنحن نقول له : تعقّل الأمر ؛ لأنك ما سيطرت إلا بأناس من الأراذل ، فإظهار قوته تكون بمن يجيدون تصويب السلاح ، أو بمن تدربوا على إيذاء البشر ، فهو يبنى سيادته ببعض الأراذل ، كوسائل لتحقيق سيطرته . وقول الكافرين من ملأ نوح - عليه السّلام - : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ . . ( 27 ) [ هود ] يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغنى ، والجاه والمناصب ، وهم قد أخطأوا الفهم .

--> ( 1 ) الدّولة : اسم للشئ الذي يتداول ، والدّولة : الفعل والانتقال من حال إلى حال . [ بتصرف من لسان العرب - مادة : دول ] ( 2 ) فالفضل بمفهوم الكفرة يخالف الفضل في مفهوم المؤمن : فالفضل عند الكافر هو المال والسلطان ، وفي مفهوم المؤمن هو الاصطفاء والعطاءات والهبات الإلهية التي يصطفى اللّه سبحانه بها الرسل والأنبياء والمخلصين من عباده .