محمد متولي الشعراوي
6450
تفسير الشعراوى
وهناك فارق بين احتكاك الآراء ، وتحكّك الآراء ، فالتحكك كالتلكّك ، وهو الرغبة في عدم الوصول إلى الحق ، لكن الاحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق ، مثلما نحكّ الزناد بقطعة من حديد فتولد الشرر لنرى الحق ، أما التحكّك « 1 » فهو يوارى ويطمس الحقيقة . والمراء هو الجدال بعد أن يظهر الحق ، وهو مأخوذ من مري « 2 » الضّرع ، فحين يقومون بإنزال اللبن من ضرع الناقة أو البقرة ، فالضرع يكون ملآن ، وينزل منه اللبن بشدة وقوة ، وبعد أن ينتهى حلب الضرع ، يظل من يحلبها ممسكا بحلمات الناقة أو الجاموسة ، ويستحلب ما بقي من اللبن ، ويقال لهذا الجزء الأخير « المريى » . ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة « المراء » ، وهو ما بعد ظهور الحق . وهناك بجانب الجدال والمراء ، والاحتكاك ، والتحكّك ، الحجاج ؛ والمراد بالحجاج هو إظهار حجة الخصم على الخصم . وبعد أن ملوّا من جدال نوح - عليه السّلام - طلبوا أن ينزل بهم العذاب الذي أنذرهم به ، وقد استبطأوا مجىء هذا العذاب ؛ لأن نوحا عليه السّلام عاش بينهم ألف سنة إلا خمسين ، وقالوا : . . فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) [ هود ] وكأنهم - بهذا القول - قد أخرجوا نوحا مخرج من بيده أن يأتي بالعذاب ، أو يمنع العذاب ، وهذه مسألة لا يملكها نوح ، بل هي ملك لله سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) التحكك : التحرش والتعرض . وإنه ليتحكك بك ، أي : يتعرض لشرّك . [ اللسان - مادة : حكك ] . ( 2 ) المرى : مسح ضرع الناقة لتدر اللبن . والمرى : الناقة تدر على من يمسح ضروعها . وقيل : هي الناقة الكثيرة اللبن . [ اللسان : مادة - مري ] . وجاء في المصباح المنير : ماريته أماريه مماراة ومراء : جادلته . وتقدم القول إذا أريد بالجدال الحق أو الباطل . ويقال : ماريته إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغيرا للقائل ، ولا يكون ( المراء ) إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا ، وامترى في أمر : شكّ فيه . بتصرف ص 570