محمد متولي الشعراوي

5891

تفسير الشعراوى

ولكن الملكين هاروت وماروت « 1 » حينما علّما الإنسان السحر حذّراه أولا من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بنى جنسه ويظلم بها ، إنما الأمر كله اختبار ، فإن تعلّمته فذلك لتقى نفسك من الشر لا لتوقعه بغيرك ، ثم إنك - أيها الإنسان - من الأغيار قد تضمن نفسك وقت التحمّل ، ولكن ماذا عن وقت الأداء ؟ مثلما يأتي لك إنسان ليودع عندك ألفا من الجنيهات كأمانة ، ولكن أتظل على الأمانة ، أم أنك قد تنكر المال أصلا حين يطالبك به صاحبه ، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا المال ؟ ولذلك تجد الذكي هو من يقول لمودع هذا المال : « احفظ عليك مالك ، لأنى من الأغيار » . وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ « 2 » عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) [ الأحزاب ] والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن ، ولا حجة للمؤتمن عنده إلا ذمته ، ولا شهود عليه ، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة ، بل هي وديعة لا توثيق فيها ؛ إلا ذمة المؤتمن ، قد يقرّبها ، وقد ينكرها .

--> ( 1 ) هاروت وماروت ملكان من السماء ، أنزلا إلى الأرض ، وقيل إنهما لم تعجبهما أحكام بني آدم في العباد ، فأهبطا ليحكما بين الناس ، وكانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما أن لا يعلمان أحدا حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر . ( 2 ) اختلف العلماء في تفسير الأمانة في الآية ، ولكن أجمع قول فيها أنها الطاعة بالاختيار ، قال ابن عباس : هي الطاعة عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها ، فقال لآدم : إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال : يا رب وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت . فأخذها آدم فتحمّلها . انظر ابن كثير في تفسيره ( 3 / 522 ) .