محمد متولي الشعراوي

6433

تفسير الشعراوى

ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم ، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به ، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان ؛ لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم ؛ لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال ، ولا بمقياس من يملك الجاه ، ولا بمقياس من له سيادة ، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب ، الذي تعقّل وتبصّر ، وباللسان الذي أعلن الإيمان ؛ لأن الإنسان بأصغريه : قلبه ولسانه « 1 » . إذن : فهذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السّلام - قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة ، لا بالمقاييس الصحيحة . ولو امتنع هؤلاء الذين يقال عنهم « أراذل » عن خدمة من يقال لهم « سادة » لذاق السادة الأمرّين ، فهم الذين يقدّمون الخدمة ، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة . ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة . ولو امتنع الطاهى عن طهى الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة ، وكل خدمات هؤلاء الضعاف تصب عند الغنى أو صاحب المال أو صاحب الجاه . وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثروة - ولو عن طريق الميراث - ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضا ، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدّهم وإنتاجهم . إذن : فالضعفاء هم تتمة السيادة .

--> ( 1 ) هذا من أمثال العرب : المرء بأصغريه ، وأصغراه قلبه ولسانه . قال ابن منظور في لسان العرب : « معناه : أن المرء يعلو الأمور ، ويضبطها بجنانه ولسانه » .