محمد متولي الشعراوي

6300

تفسير الشعراوى

اللّه تعالى ، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد سبحانه ؛ لكان الذهن خاليا من ضرورة أن نقول هذه الشهادة « 1 » . ولكن قول الحق سبحانه : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . . ( 2 ) [ هود ] معناه النفي أولا للباطل ، وإذا نفى الباطل لا بد أن يأتي إثبات الحق ، حتى يكون كل شئ قائما على أساس سليم . ولذلك يقال : « درء « 2 » المفسدة مقدّم دائما على جلب المنفعة » فالبداية ألا تعبد الأصنام ، ثم وجّه العبادة إلى اللّه سبحانه . وما دامت العبادة هي طاعة الأمر ، وطاعة النهى ، فهي - إذن - تشمل كل ما ورد فيه أمر ، وكل ما ورد فيه نهى . وإن نظرت إلى الأوامر والنواهي لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا اللّه ، إلى إماطة « 3 » الأذى عن الطريق « 4 » . وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه أو زيادة الصالح ليكون أصلح ، فهذه عبادة .

--> ( 1 ) لأن الشهادة تكون في قضية وعلى قضية ، فالذي يشهد أن لا إله إلا اللّه : فقد نفى الألوهية لغير اللّه ، وأثبتها له ؛ لأن المقام يقتضى ذلك ، فهذا إحكام في المبنى والمعنى ، فقوله تعالى : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . . ( 2 ) [ هود ] فقد قصر العبادة لله ، أما الشهادة على القضية فالكون بما فيه ومن فيه يثبت ألوهية الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي بيده الملك ، وهو على كل شئ قدير . ( 2 ) درء : دفع وإبعاد . قال تعالى : وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ . . ( 8 ) [ النور ] أي : ويدفع عنها عذاب الحد أن تشهد هذه الشهادات ، وبقية الحكم في سورة النور في الآيتين رقمى ( 8 ، 9 ) . [ القاموس القويم ] . ( 3 ) إماطة الأذى عن الطريق : تنحيته وإبعاده عن طريق الناس حتى لا يؤذيهم . والأذى قد يكون أحجارا أو أي شئ قد يؤذى الناس ويعوق سيرهم في الطريق . ( 4 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون شعبة - فأفضلها قول لا إله إلا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 35 ) كتاب الإيمان ، وكذا أخرجه البخاري في صحيحه ( 9 ) دون : أفضلها ، وأدناها .