محمد متولي الشعراوي
6247
تفسير الشعراوى
وكان لا بدّ أن يأتي أمر المسألتين معا : مسألة عدم عبادة الرسول لمن هم من دون اللّه ، ومسألة تخصيص اللّه تعالى وحده بالعبادة . والفصل واضح بما يحدّد قطع العلاقات بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك ، كما أورده الحق سبحانه في قوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) [ الكافرون ] والذين يقولون : إن في سورة ( الكافرون ) « 1 » تكرارا لا يلتفتون إلى أن هذا الأمر تأكيد لقطع العلاقات ؛ ليستمر هذا القطع في كل الزمن ، فهو ليس قطعا مؤقّتا للعلاقات « 2 » . وهذا أول قطع للعلاقات في الإسلام ، بصورة حاسمة ليست فيها أية فرصة للتفاهم أو للمساومة ، ويظل كل معسكر على حاله .
--> ( 1 ) نزلت سورة الكافرون في رهط من قريش قالوا : يا محمد ، هلم اتبع ديننا ونتبع دينك ، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه ، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك قد شركت في أمرنا وأخذت بحظك ، فقال : معاذ اللّه أن أشرك به غيره . فأنزل اللّه تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) إلى آخر السورة ، فغدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة ، فأيسوا منه عند ذلك . [ أسباب النزول - للواحدي ص 261 ] . ( 2 ) أقوال مفسّرى وعلماء سلفنا الصالح تتلاقى كلها فيما قاله فضيلة الشيخ هنا . فقال البعض منهم البخاري وغيره أن المراد ب لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) [ الكافرون ] في الماضي و وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) [ الكافرون ] في المستقبل . وقال البعض الآخر : إن هذا تأكيد محض . وهناك قول آخر نصره الإمام ابن تيمية ، وهو أن المراد بقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) [ الكافرون ] نفى الفعل لأنها جملة فعلية وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) [ الكافرون ] نفى قبوله لذلك بالكلية ؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد ، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك ، ومعناه نفى الوقوع ، ونفى الإمكان الشرعي أيضا . انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 561 ) .