محمد متولي الشعراوي
6198
تفسير الشعراوى
هذا الأمر حتى يظهره اللّه ، أو أهلك فيه ، ما تركته » « 1 » . نقول : إن الحق سبحانه وتعالى يضمر خطاب الأمة في خطاب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجّه بهذا الأسلوب إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهم لن يستنكفوا « 2 » عن أىّ أمر يصدر إليهم . ومثال ذلك : لو أن قائدا يصدر أمرا لاثنين من مساعديه اللذين يقودان مجموعتين من المقاتلين ، فيقول القائد الأعلى لكل منهما : إياك أن تفعل كذا أو تصنع كذا . والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين له ، ولكنه يقصد كل مرءوسيهم من الجند . وجاء الأمر هنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لتفهم أمته أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان ليتأبّى على أمر من أوامر اللّه ، بل هو صلّى اللّه عليه وسلّم ينفّذ كل ما يؤمر به بدقة « 3 » ؛ وذلك من باب خطاب الأمة في شخصية رسولها صلّى اللّه عليه وسلّم . وقول الحق سبحانه : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ . . ( 94 ) [ يونس ]
--> ( 1 ) أورده ابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 266 ) معزوا لابن إسحاق ، أن قريشا قالوا لأبى طالب : يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، فبعث أبو طالب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : يا بن أخي ، إن قومك قد جاءونى ، فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق علىّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه المقالة . ( 2 ) الاستنكاف : الامتناع تكبرا وأنفة . ومنه قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) [ النساء ] . ( 3 ) ومصداق ذلك قوله سبحانه : فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ . . ( 15 ) [ الشورى ] .