محمد متولي الشعراوي

5827

تفسير الشعراوى

أحكام اللّه . وإذا ما غفل الأب ، فالأبناء يقلّدون الآباء ، فتأتيهم غفلة ذاتية . وهكذا يكون الغافل أسوة لمن بعده . ولذلك قال الحق سبحانه عن الأبناء الذين يتبعون غفلة الآباء : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا « 1 » عَلَيْهِ آباءَنا . . ( 170 ) [ البقرة ] وإلف تقليد الآباء قضية كاذبة ؛ لأننا إن سلسلنا مسألة الإيمان إلى آدم عليه السّلام ، وهو الأب الأول لكل البشر ؛ لوجدنا أن آدم عليه السّلام قد طبّق كل مطلوب لله « 2 » ، فإن قلت : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهذا القول يحتم عليك ألا تنحرف عن الإيمان الفطري ، وإلا كنت من الكاذبين غير المدققين فيما دخل على الإيمان الفطري من غفلة أو غفلات ، تبعها تقليد دون تمحيص . والحق سبحانه قد شاء أن تكون كل كلمة في القرآن لها معنى دقيق مقصود ، فالحق سبحانه يقول على ألسنة الكافرين في القرآن : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) [ الزخرف ] ولم يقل : « مهتدون » بل قال : « مقتدون » ، والمقتدى من هؤلاء هو من اتخذ أباه قدوة ، لكن المهتدى هو من ظن أن أباه على حق . إذن : فالمقتدى هو من لا يهتم بصدق إيمان أبيه ، بل يقلده فقط ، وتقليد الآباء نوعان : تقليد على أنه اقتداء مطلق لا صلة له بالهدى أو الضلال ، وتقليد على أنه هدى صحيح لشرع اللّه تعالى .

--> ( 1 ) ألفينا : وجدنا . يقال : ألفيت الشئ إذا وجدته وصادفته ولقيته . انظر اللسان مادة ( لفى ) . ( 2 ) إن آدم عليه السّلام طبّق المطلوب ، أما أكله من الشجرة التي نهى عنها ، فكان نسيانا ، والنسيان وارد وعارض ؛ لذلك علمه اللّه كلمات فتاب عليه وهدى ، بدليل قوله تعالى : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً . . ( 115 ) [ طه ] وهذا لا ينافي أنه طبق كل المطلوب .